صحافة

بهاء الحريري في بيروت "يجرّب مرة أخرى"... لا غطاء خارجياً ولا دعماً داخلياً ولا إحاطة عائلية


وصل رجل الأعمال بهاء الحريري، قبل ايام الى بيروت. ليست زيارته الاولى الى العاصمة منذ ندائه الشهير "يا قوم" عند اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كان يظن انه الوارث الطبيعي للزعامة الحريرية التي أريد لها ان تضمحل باغتيال مؤسسها، او ان تنحدر الى مستوى الزعامات المحلية، فلا تبقى على مستوى العالمية التي تتجاوز حدود بيروت، ودمشق تحديداً، ولا ينتعش مشروعها الاقتصادي الذي يتجاوز مصالح كثيرين على مستوى المنطقة وابرزهم اسرائيل.

لكن المشيئة العائلية، قبل الارادة السعودية، لم تفسح لبهاء مجال الزعامة، فكان اكثر من لقاء عبر فيه مشاركون من افراد العائلة، والاصدقاء، والمقربين من الرئيس رفيق الحريري، ان بهاء بطبعه العصبي والنزق لا يوائم المرحلة المقبلة، وان الوالد (الشهيد) كان يميل الى نجله سعد. ومضت القيادة السعودية في دعم الأخير لتولي المسؤولية. ونجح رغم العقبات الكثيرة في المرحلة الصعبة على كل المستويات.

هذا القرار أجج لدى الابن البكر بهاء، مشاعر لا يمكن وصفها على وجه التحديد، لكنها بالتأكيد تميل الى نوع من الغيرة، تشوبها مراحل من التنافس كلما سنح الأمر.

ومذ قرر الرئيس سعد الحريري الاعتكاف لظروف متعددة ومعقدة لا مجال لخوضها حالياً، طفت من جديد رغبات بهاء في الاستفادة من غياب شقيقه، لرفع لواء الزعامة من بوابة المحافظة على ارث رفيق الحريري ومتابعة مسيرته التي تعثرت لاحقا، ما انعكس فراغاً على الساحة السنية التي ظلت وفية الى حد كبير الى سعد، رغم الضعضعة التي اصابتها.

عادة ما تكون الثالثة ثابتة في تقليدنا، لكن بهاء خاض اربع تجارب للعودة الى ساحة لم يكن اعتاد عليها او عرفته، وليس له فيها انصار او مؤيدين. حاول مرات عدة مستنداً الى مستشارين مشكوك في قدرتهم على تحريك الارض، او بناء مشروع وبرنامج. الرجل لا يملك مشروعاً الا استعادة إرث. صحيح انه يعادي "حزب الله" ظاهراً، لكن مواقفه موسمية في هذا الشأن اذ يغيب عن البلد في سياسته وقضاياه. وقد سُرب في اليومين الاخيرين خبر عن محاولة منه للتواصل مع الحزب جبهت من الأخير برفض او عدم اقبال. يدرك الحزب جيداً ان بهاء الحريري لا يملك اي غطاء عربي، وتحديداً سعودي. جلّ ما في الامر انه يرغب في الزعامة، ويفيد من تشجيع البعض من غير المؤثرين او الفاعلين، بل قد يكونون منتفعين.

يدرك الحزب انه رغم كل التطورات السابقة، فان استقرار البلد يقوم على دعم خليجي، وتحديداً سعودي، لأي خطوة، بما يحفظ على الأقل التوازنات. وبدون هذا الدعم تبقى كل التحركات بلا أفق.

قيل يوماً للرئيس رفيق الحريري "لماذا لا تلبنن حركتك اكثر بالابتعاد رويداً عن المملكة"، فاجاب وفق ما نقل عنه "انا استند على جبل. و لبنان لا يمضي بدون اخوانه العرب وفي طليعتهم السعودية. ومن غيرها تتخربط التوازنات في البلد وفي الاقليم". وقد حظي الرئيس سعد الحريري بهذا الغطاء والدعم الى حين اعتمدت المملكة سياسة مغايرة تجاه  لبنان.

قيل ايضاً في الايام الماضية، ان العائلة الحريرية، شجعت بهاء على العمل السياسي، واعادة جمع القواعد، وقد شكلت مشاركته في تقبل العزاء بزوج عمته بهية، دافعاً الى العودة السريعة، ومباشرة العمل. لكن حركة الامين العام لـ"تيار المستقبل" احمد الحريري، نجل بهية، قابل العودة بحركة فاعلة من قضاء زحلة، حيث التمازج السني المسيحي، وقد اكد مطران زحلة للروم الكاثوليك ابراهيم ابراهيم في لقاء جامع في مطرانية سيدة النجاة، أن "الوطن يحتاج إلى تضافر جهود جميع أبنائه. وعودة الرئيس سعد الحريري إلى  لبنان تعتبر خطوة ضرورية لتحقيق الوحدة الوطنية وإعادة بناء الدولة على أسس قوية وفعالة".

ومن مجدل عنجر، حيث الثقل السنّي، ردّ احمد الحريري على حركة ابن خاله بهاء من دون ان يسميه قائلا: "اليوم، وكل يوم، من مجدل عنجر والبقاع ومن كل  لبنان، سنبقى نقول للرئيس سعد الحريري "وين ما كنت نحنا معك"، ولا يمثلنا إلا اعتدالك وعروبتك ووطنيتك وإنسانيتك وكبر قلبك الكبير ، ومهما حصل سنبقى على صبرنا معك في انتظار أن يحين الوقت للعودة إلى كل الساحات".

سيجول بهاء الحريري على مناطق عدة وسيلتقي مجموعات ربما تكون واسعة، لا حباً به بالضرورة، بل لأن المجتمع السني صار متعلقاً بحبال الهوا. وينظر هؤلاء التائهون اليه كنجل للرئيس الشهيد يمكن ان يبدل في اوضاعهم، على رغم شعور دفين بالذنب تجاه الرئيس سعد الحريري الذي أحبه الناس، واعترف خصومه في السياسة، قبل حلفائه، باعتداله وانفتاحه وصدقيته، وبأن كثيرين منهم اخطأوا اليه.

مع وصوله، كتب بهاء الحريري عبر حسابه على منصة "اكس": "وصلت اليوم إلى العاصمة بيروت‬ التي أحبها والدي الشهيد رفيق الحريري، ومعاً سنعمل على إعادة العاصمة منارة تجمع اللبنانيين. ولا ننسى جنوب  لبنان الصامد وأهله الكرام الذين لن نتخلى عنهم وسنقف إلى جانبهم لإعادة بناء الجنوب وتحصينه وحمايته من العدوان الغاشم الذي يتعرض له".

بهذه العبارات يطلق بهاء الحريري مسيرته، ولا يمكن التوقف عند حروف قليلة، لقراءة ما يريد، وما يضمر، وما يطمح اليه، فالايام المقبلة هي التي شتثبت مدى جديته ومثابرته، والأهم مدى قدرته على النقاش والحوار وقبول النقد.

خلال محاولة سابقة، كتبت مقالاً، لائقاً بالتأكيد، اعتبرت فيه ان حركة بهاء زوبعة في فنجان، لانها غير مبنية على مشروع، ورؤية، ولا تحظى بدعم، ولا تستند على فريق عمل كفؤ. فبادرتني منصته بهجوم شرس غير لائق ونعتتني بـ"غسان عبد اللطيف"، و"اللاهث وراء مكافاة من خصوم بهاء"، و"المستكتب"، وما اليها من عبارات وأوصاف لا تليق بمن يريد ان يطلق مسيرة، لا مسيّرة بالتأكيد في زمن المسيّرات، ولا تؤسس لجمع مؤيدين، ولو في الحد الأدنى.

حالياً، لا اريد ان احكم على الانطلاقة الجديدة، ولا ان استبق بقول "جرّب مرة أخرى"، لكن ظروف الأمس داخلياً وخارجياً، لم تتبدل كثيراً، وليس ثمة ما يوحي باحتضان واسع سنّي ووطني لحركته. ورغم الضجيج الذي تشهده وسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيد له ومعارض، الا ان الحقيقة تبقى في مكان اخر، اذ ان الجيوش الالكترونية المدفوعة الثمن، لا تعبر عن الواقع، بل انها تشكل وسيلة غشّ للاستيلاء على الاموال ليس اكثر.

"النهار"- غسان حجار