موقف البلد

إعترافٌ في كرسي البطريرك... يا مُعلّم أما يهمّك أننا نهلك؟


سيدي البطريرك مار بشارة بطرس الراعي

علا مؤخرًا العديد من الأصوات منتقدًا أو مستهجنًا ما صدر عن المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، كونه يخالف الخط التاريخي للبطريركية المارونية ويناقض ما تُدلي به منذ فترة حول السلاح خارج الدولة، وقرار الحرب والسلم، وأزمات البلد والناس. هذا الإنتقاد المتصاعد والمحق تجاه غياض الذي يورّط بكركي في مواقف ليست لها، توزّع مبدئيًا على فئات ثلاث: العارفون ببواطن الأمور ومِن منطلق غيرتهم على البلد والصرح، وتحدثوا من باب التصويب. الحاقدون الذين يغتنمون كل فرصة لمجرّد الإنتقاد، وتحدثوا من باب التشهير. والمردِّدون في أي حملة من غير علم أو هدف، وهؤلاء كثر وهدّامون، لأنه يتم استغلال أصواتهم لأهداف غير نبيلة.
وسط كل ذلك، انتابنا شيء من الحيرة في طريقة التعامل مع الأمر. إذ لا تجوز المشاركة في حملة اتخذت طابع التشهير في بعض وجوهها، ولا يجوز السكوت عمّا يتناقض مع كلامكم نفسه، كما مع اللاوعي الجماعي للمسيحيين، لا بل لشرائح كبرى من طوائف أخرى. وما أغاظ الموارنة يومًا أن يَعتبِر كل لبناني أن البطريركية المارونية تُمثّل جزءًا من انتمائه الوطني ووجدانه الجماعي اللبناني. وأن يأمَن إن أصابت أو يخشى إن تعثّرت..!
سيدي البطريرك
بين هذين الرأيين هناك حقيقة واحدة، هي أن ثمّة تردّدًا ومواقف، ترى الرعية، أنها لا تُعبِّر عن تطلعاتها، ولا تحاكي هواجسها، ولا تقدِّم إجابات حاسمة واضحة عمّا يختلج في دواخل أبنائها من أسئلة وتساؤلات. لذلك نرى في كلامنا إليكم واجبًا إلتزاميًّا بقول الحق والتنبيه إلى ما يهتز له الضمير الجماعي مدفوعًا بالخوف من السقوط في المحاذير، وعدم السكوت عن مخاوف ومخاطر تنفيذًا لدعوة غبطتكم الصارخة في أرجاء الوطن، والتي ما زالت راسخة في مزمور "لا تسكتوا"... فلم نسكت!
لكن لم نُرد أن يكون كلامنا سقوطًا في القعر، ولا طعنًا في الظهر، بل بَوحًا صريحًا أمامك وفي كرسي اعترافك. لذلك لجأنا إليك، حاملين هذه الهواجس، راجين نسطًا وصدرَ أبٍ رحبٍ، وتفهّم راعٍ لقلق رعيّته، وتصحيحًا سريعًا لهذا الإنحدار بغية إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان. ولك أن تتفهّم صرختنا، فعندما هاج البحر والتلاميذ في السفينة والمسيح نائم، أيقظوه صارخين: يا معلّم أما يهمّك أننا نهلك؟ مرقس (4 : 38).
سيدي البطريرك 
نحن الذين اتخذنا من المغاور والكهوف حصنًا وما رضخنا، ومن الحرّية فضاءً وما سكنّا، ومن الحقيقة صرحًا وما هادنّا على رغم قساوة ما مرّ به تاريخنا من ظلم وتنكيل واضطهاد. أنت قلت ما قلت وصحّح غياض ما صحّح على هواه القديم وهواء "الجديد"، لكن عن جهل لتاريخ الصرح وسِيَر البطاركة... فإذا كان ما قلتَه متسرّعًا، فالأجدى التروّي في القضايا الوطنية ولا سيما في زمن الأزمات المتلاطمة هذا. وإذا كان ما قلتَه حقيقة – وقد تفاعَلَت معه الرعية بعزّ وإباء – فعليك ألّا تخاف وألّا يؤدي بك ذلك إلى ما حصل فأصاب الصرح بالنكسة والناس بالخيبة، وهم ما اعتادوا يومًا أن يتعثّروا إن اتكأوا إلى عصا بطريرك، أو يخيبوا إن وثقوا بكلامه! 
فالبطريرك دانيال الحدشيتي قاتلَ المماليك ومات شهيدًا، ولم يخف. والبطريرك جبرائيل الحجولاني فدى رعيّته بأن مات حرقًا، ولم يتردد. واجه البطريرك يوسف التيان غطرسة الأمير بشير واستقال، ولم يُبدّل موقفًا. لوحِق البطريرك اسطفان الدويهي وعاش في سرداب داخل مغارة، ولم يرضخ. لاحقت البطريرك الياس الحويك اعتراضات حول لبنان الكبير، ولم يخفت صوت عصاه الضارب على بلاط قصر فرساي. قاد البطريرك نصرالله صفير المواجهة مع الوصاية السورية وسط المخاطر والتهديد، ولم يتراجع... ومثلهم كثر صنعوا التاريخ ورسموا هذا الخط الأبيّ للبطريركية المارونية، وما بدلوا موقفًا ولا وفّروا تضحية في سبيل الحق ولبنان!
صحيح أن ما جرى مؤخرًأ من قِبل كثر لا يتفق طبعًا مع الإحترام المطلوب في أي حال. ولكن ما يصدر باسم الصرح البطريركي من نقيض تاريخه وخلاف مبادئه وعكس مصلحته، مُعيب ولا يرقى إلى ما أرسته مسيرة هذا الصرح على مدى قرون، غارزةً عصاها في صدر الخوف، رافعة مجدها فوق التاريخ، مُرسية واقع أمّة لا ترضخ، وكيان وطن صنعته بالعرق والدم والإيمان. فهل ما يحصل اليوم يتفق حقًّا مع هذا التاريخ وهذه المسيرة؟ هل ما يصرّح به غياض يُعبّر حقيقة عن موقف الصرح، أم يصحّ ما يتواتر همسًا أن خلفه أطماعًا سلطوية وغايات شخصية؟ إذا نعم، لماذا هذا التناقض من يوم إلى يوم. وهل تعتبرون حقًّا أن "حزب الله" مقاومة تعمل لمصلة لبنان، وأن حربه مبرَّرة، وأن سلاحه ضرورة؟ وإذا لا، لماذا لا تبادرون إلى إجراءات تُجنِّب الصرح والرعية هذا الإرتباك الهدّام والتناقض القاتل، وتجنّبكم شخصيًا سهام المصطادين.. فتصحّحون ما يحصل من هفوات؟ 
سيدي البطريرك 
تقول الرعية: لا تستقيم الأمور هكذا! اليوم البلد بلا رئيس وأنتم المرجعية. على مدى حوالى 1500 عام من مسيرة البطريركية المارونية لم يكن في البلد رئيس، وكان البطريرك هو المرجعية، وما انحنى بطاركتنا ولا فرّطوا بإرث أو بوزنات. على هذا القدر هي مسؤوليتكم اليوم، وبهذا الحجم يجب أن يكون قراركم. وما تردَّد السالفون بالمبادرة، فأقدَموا ونجَحوا. ولا كانت الرعيّة إلا خلف قاماتهم، ونجحت... هذا اعترافي في كرسيّكم وهذا ما يتردّد في رعيّتكم وأنقله بأمانة. وهذا ما يجعلنا نتحسّر على الماضي، نتكدّر من الحاضر، ونقلق على المستقبل... سيّدي، أنت من قال يومًا: لا تسكتوا، فما سكتنا ولن نسكت. وقال أسلافكم لا تسقطوا فما سقطنا ولن نسقط.. فلنتجنّب معًا الهوان، والسكوت، والسقوط!