محليات

رياح الانتخابات الفرنسيّة لن تلفح لبنان


تبحث كلّ من الإدارتين الأميركية والفرنسية عن نوع من التناغم في الملفّ اللبناني. تفرض الخصوصية اللبنانية عليهم هذا الجهد الأمنيّ والسياسي. يتقدّم المسار الأمنيّ أشواطاً على المسار السياسي. لكن يبقى إحداث الخرق السياسي عبر المسارين من خلال:

– الضغط الأميركي على الإسرائيلي، والتفاوض مع الإيراني في آن.

– التواصل الفرنسي البنّاء مع الحزب.

– يتخلّل الاثنين تواصل الإدارة الأميركية المباشر مع الرئيس نبيه بري، الوجه الدبلوماسي الأول للثنائية، وغير المباشر عبره مع الحزب.

– وساطات أوروبية دولية وعربية إقليمية تحت مظلّة الحلّ الأصلية.

– مباحثات في سبيل إيجاد تقاطع جوهري، وإمكانية الوصول إلى تهدئة على الجبهة الجنوبية اللبنانية من خلال تطبيق القرارات الدولية.

تنطلق كلّ هذه المبادرات بشكل موضوعي عبر اعتبارين:

أوّلاً: الخوف على الاستقرار في المنطقة بشكل عامّ، الدفاع الدولي عن أمن الكيان الإسرائيلي بشكل خاصّ، إضافة إلى الحرص الشديد على الهدوء في لبنان.

ثانياً: عدم الرغبة الدولية في توسيع المواجهة نتيجة إدراك أهوالها على لبنان والكيان الإسرائيلي، وعدم استفادة الطرفين الأصيلين الإيراني والأميركي من شموليّتها.

إدارات ضعيفة

تدنو الإدارة الأميركية كلّ يوم من توصيفة “البجعة العرجاء غير السوداء”، مع اقترابها من اليوم الانتخابي الرئاسي. يجعل هذا الأمر من الإدارة نفسها أكثر ضعفاً. فهي تسعى إلى إنهاء ملفّات كبيرة في وقت قياسي، وهو ما يجعلها غير متّزنة وفاشلة بكلّ خطواتها.

لذلك الدول مجبرة على الانتظار إلى ما بعد الاستحقاق للتعامل مع الإدارة الأصيلة. لكنّ هذه الإدارة تريد الظفر سريعاً بتسوية شاملة من غزة إلى لبنان تكون لها معيناً في الداخل الأميركي فتعمل على استثمارها انتخابياً واستمرارياً في الاستفادة منها وإعادة إنتاجها من أجل بقاء الديمقراطيين في الحكم.

فيما تسعى الإدارة الفرنسية إلى التوازن بين مشاكلها السياسية الداخلية وثباتها الدولي على المسرح العالمي على الرغم من الظروف الصعبة محلّياً وأوروبياً. في حين أنّ رئاستها باقية على الرغم من النتيجة التشريعية. يحصر الرئيس ماكرون بيده الشؤون الدولية. يُحكم قبضة الإليزيه على السياسة الخارجية. لا شيء يبدّلها، فهي ثابتة مع ثبات رئيسها. هذا ما يدلّ على بقاء الإدارة الفرنسية على التزاماتها الدولية، وخاصة ناحية لبنان. فلا خطر لا على موفدها الرئاسي لودريان، ولا على مروحة خطواته .

إيران تعيد أميركا إلى المنطقة..

حاولت إيران إبعاد أميركا عن المنطقة. لكنّ ما حصل هو العكس. جلبتها إليها وأغرقتها فيها من جديد كلّياً. سعت الإدارة الأميركية في المقابل إلى إضعاف النفوذ الإيراني دون المسّ بنظامه. إلا أنّها أدخلت الفيل الفارسي إلى الغرفة. جعلت إيران دولة نووية وزادت من نفوذها.

انتبه الطرفان إلى أخطائهما، واحتكما إلى الواقعية، فقرّرا التوافق على تسوية، من بوّابة التشارك والتعاون البراغماتي، وتقسيم المنطقة إلى مناطق نفوذ جديدة، قربانها فلسطين على نكهة حرب غزة.

أعلنتها إيران علناً على لسان وزير خارجيّتها أنّها تريد حصّة جديدة لها وعلى قياسها. وقبلت أميركا بذلك. تسابق الوقت لتأمين إسرائيل من أجل أن تلتفت إلى ما يقلقها أكثر، أي التنين الصيني، حيث تواترت إشارات إيجابية كثيرة فيما بينهما، من عدم تأييدهما للحرب الشاملة، إلى حفاظهما على المفاوضات فيما بينهما. وخير دليل على ذلك هو تصريح المرشد الإيراني السيد خامنئي بثبات السياسة الإيرانية الخارجية عقب مقتل الرئيس إبراهيم رئيسي. قرّر النظام الإيراني المحافظة على هذا الخطّ. لا يريد خسارة وزناته المحقّقة من البحر الأحمر إلى المتوسط. وتترجم الإشارة الأخيرة المتمثّلة في فوز المرشّح الإصلاحي في رئاسة الجمهورية الإيرانية سعيها إلى إصلاح داخلي تحت عباءة المرشد وثبات خارجي على الأساسيّات، مع إمكانية التشدّد النفعيّ يوماً ما.

لا تغيير في القرارات الدّوليّة..

تتركّز الآلية في البحث عمّا هو مناسب ومتوازن، من أجل تسهيل تطبيق اتفاقية هدنة الـ 1949، والقرارات الدولية كلّها، وخصوصاً القرار 1701. إذ تشير مصادر خاصة لـ”أساس” إلى أنّ هناك ثابتتين:

1- لا يوجد أيّ إمكانية لاتخاذ قرار دولي جديد يخصّ لبنان، أو حتى تعديل القديم.

2- لا يوجد أيّ مكان للبنان حالياً في مجلس الأمن الدولي، في زحمة الأزمات والحروب الدولية من أوكرانيا إلى غزة، على الرغم من احتفاظه بنوع من الاهتمام.

على خلفية ذلك، ما يمكن الاحتكام إليه في لبنان اليوم يبدأ من تطبيق القرارات الدولية الموجودة والنافذة التي ما زالت تفي بالغرض، خاصة أنّها لم تطبّق بشكل حقيقي وصريح.

ما زال لبنان موضع اهتمام القوى الدولية، على الرغم من كلّ المآسي، وهذا أمر جيّد. تترجم حيثياً هذه الوقائع وعلى الأرض اللبنانية عبر زيارات الموفدين الدبلوماسيين المستشارين، ووزراء خارجية الدول الأوروبية والصديقة للبنان، من إيطاليا وصولاً إلى ألمانيا، مروراً بفرنسا وهولندا والنمسا وإسبانيا وغيرها.

تضاف إليها مجموعة من اللقاءات الخارجية المتعلّقة بلبنان. كان آخرها زيارة مستشار البيت الأبيض لشؤون الطاقة والحدود آموس هوكستين لفرنسا ولقاءه المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان ومستشارة الإليزيه لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا آن كلير لجاندر.

يعمل هوكستين على:

1- تأمين ضمانة فرنسية مع لودريان من الحزب في لبنان، تكرّس الواقع الجديد والهادئ في مقابل الخيار الثالث الرئاسي الذي يحظى بأكثرية نيابية.

2- رغبة كلّ من فرنسا وأميركا في المسارعة إلى تحقيق التسوية من أجل قطع الطريق على نتنياهو غير المتّزن، قبل بداية عطلة الكنيست، مع تخوّف الطرفين من خطورة تحوّل الصلاحيّات وحصرها كلّها بيده وبيد حكومة الكيان الإسرائيلي.

كانت لافتةً في هذا السياق زيارة نائب مدير المخابرات الألمانية الأخيرة، التي اتّصفت بالإيجابية، بعد لقائه نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم على الرغم من نفي الأخير لها، لا سيما أنّ نوعية الملفّات التي تتولّى ألمانيا العمل عليها معروفة عبر سجلّها في لبنان. وساطاتها دائماً ذات طابع أمنيّ وعسكري. وتتّصف أيضاً بالهدوء والسرّية لجهة كيفية التعاطي مع نتائجها الإيجابية في أغلب الأوقات.

ستحدّد الأيام المقبلة مسار السياسة والميدان والاستحقاقات في لبنان. باتت كلّها محصورةً بين التفاهم والتسوية وبين استمرارية مواجهات حرب الإسناد والإشغال أو شموليّتها. تسعى كل من الإدارتين الضعيفتين الفرنسية المرتبكة والأميركية السائرة على طريق التجدّد، إلى إيجاد خرق. ويرتفع خلال سعيهما إلى رفع منسوب الترقّب اللبناني.