خاص

كلام البلد: حكومة الخطة باء... حكومة مَهَمّة أم المهمة مستحيلة؟

 

بات بديهيًا أن ولادة الحكومة اللبنانية التي استمرت متعثّرة على مدى 13 شهرًا ومحاولاتٍ ثلاث، ليست حدثًا محضُ داخليًا. فكما أن إعاقة التشكيل لم تكن داخلية فقط، كذلك اتفاق التأليف الذي أبرزُ ما فيه ليس الأسماء والتوزع الطائفي والحزبي، بل ما يعكس من توافق خارجي، ظاهره فرنسي - إيراني. ويشبّه المتابعون هذا التوافق بذاك الذي أوصل العماد عون إلى سدّة الرئاسة، بعد ما يزيد على سنتين من التعطيل والشغور.

كما أن ثمّة عاملين أساسيين استولدا الحكومة هما: وصول الوضع الداخلي إلى حد كاد معه يخرج عن السيطرة ما يُفقِد اللاعبين القدرة على الإستثمار فيه، وأهمية حصول الإنتخابات النيابية بالنسبة إلى الغرب، والتي يصعب أو يستحيل حصولها في ظل الفوضى وغياب حكومة ولو كان أداؤها بالحد الأدنى المطلوب. تضاف إلى ذلك مصالح إقليمية ودولية عديدة ومتقاطعة حتّمت الإفراج عن المولود الجديد. ويصفها الغربيون والفرنسيون تحديدًا بأنها الحكومة البديلة أو حكومة الخطة باء.

بالنسبة إلى الفرنسيين وتماشيًا مع مبادرة الرئيس ماكرون، فمواصفات الحكومة المطلوبة هي ما حمله وتقيّد به السفير مصطفى أديب. ولما لم ينجح في مهمّة التأليف أدرك الفرنسيون أن عليهم الإلتفاف قليلًا والتعرّج في المسار المُوصِل إلى الهدف، فرضخوا للتصلّب أو للإبتزاز الإيرانيَّين. ولم يكن ذلك بعيدًا عن أعين واشنطن التي أوحى غضُّ نظرها عن باخرة نفط إيرانية مفترضة، بأنه قَبَّة باط وموافقة ضمنية على المسعى الفرنسي. فسارت "الباخرة" وسارت المفاوضات ورسيَا معًا على ميناء التأليف.

لكن يبقى الأبرز في خلفيات المشهد، المهمّات المطلوبة من الحكومة الوليدة، والتي تشكلت للقيام بها تحديداً، ومنها:

داخليًا: إجراء انتخابات نيابية نزيهة يَتوقَّع المراهنون أن تحمل التغيير في "أكثرية" المنظومة الحاكمة، وتُلقَى على عواعلها مهمّة التغيير الذي لم تنجح بإحداثه ثورة 17 تشرين ولا المبادرة الفرنسية. ووقف التدهور في الوضعين المالي والمعيشي ولجم التفلّت الأمني عبر الحفاظ على تماسك القوى الأمنية والإمساك بالقرارات المساعِدة على ذلك. وتلقّي المساعدات وإقرار البطاقة التمويلية وتيسير أمور المواطنين لتلافي الإنفجار الذي قد لا تكون هناك إمكانية للملمة تداعياته.

خارجيًا: سيكون على الحكومة إجراء مفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وإعادة وصل وترميم علاقات لبنان العربية والدولية. ومتابعة مشروع خط الغاز المصري والكهرباء الأردنية وما يحيط بهما من مساعٍ ديبلوماسية تؤشر إلى ما يُرسَم للبنان في الآتي من الزمن.

من هنا المدخل إلى توصيف الدور المنتظر أن تؤديه الحكومة، حيث يعلِّق مصدر فرنسي على ما حدث قائلا "كانت الغاية من مبادرة الرئيس ماكرون قيام حكومة قادرة فعلًا على نقل لبنان من الوضع الحالي إلى مرحلة جديدة بكل معنى الكلمة، قادرة على القيام بالإصلاحات الهيكلية. لكن نعتبر أن "الخطة ألف" فشلت في أن تُحدِث التغيير المطلوب، فكان لا بد مجاراةً للواقع الإقليمي من جهة وللواقعية السياسية من جهة ثانية، من أن تنتقل فرنسا إلى "الخطة باء". وهي قيام حكومة بأي ثمن، لأن ذلك أفضل من عدم وجود حكومة.

في ظل كل ذلك هل ستنجح؟

يُفضِّل ديبلوماسي عربي في بيروت عدم الحكم على الحكومة من باب التكهّنات، لكنه يعتمد معادلة يصفها بالبسيطة وهي "إذا كانت حكومة لبنان الحالية نسخة عن سابقاتها في تركيبتها الداخلية وتوافقاتها الخارجية، وفي خضوعها لنفوذ وتوجيهات "حزب الله"، فأي معنى عندها لتغيير الوجوه والأسماء؟ ومن هذا المنطلق فإن الموقف الخليجي ثابت لم يتغيّر".

في المقابل، واستنادًا إلى قِراءات واقعية بعيدة عن ديماغوجية البعض وذمّية البعض الآخر، فإن "حزب الله" ومن خلفه إيران، كَسَبَا من خلال تشكيل الحكومة الحالية كما كسبا في همروجة المازوت. لكنّه يبقى كسبًا بالنقاط وليس انتصارًا كما يحاول أن يوحي "حزب الله". وهو لا يستدعي العراضات والمهرجانات، فالجميع يعلم أن المازوت والبنزين يهرّبان من لبنان إلى سوريا بحماية الحزب ولفائدته، وأن الصفقة الحالية هي لرفد الحزب بالمال وتحسين صورته.

بالتوازي، كسب الغرب بالنقاط أيضًا، لا سيما فرنسا، إذ اعتبر أنه نجح في تسهيل التشكيل ولو في تفسير فضفاض لمبادرة ماكرون. لكن لا بد من الإشارة إلى أن "حزب الله" والعهد وفريقهما نجحوا حتى الآن في إفشال وإسقاط كل محاولات التغيير في السنوات الأخيرة. من إجهاض الأكثرية النيابية المناهضة لهم، إلى تعطيل انتخاب رئيس يرفض السلاح، وصولًا إلى فكفكة الثورة ثم نسف المبادرة الفرنسية وتشكيل حكومة بشروطهم وعدّتهم.

الخلاصة أن كل هذا لا يعني في أي حال الذهاب إلى ما يذهب إليه البعض في استسلام قاتل من أن لبنان بات تحت الوصاية الإيرانية... فلا السلاح قادر على فرض الوصاية، ولو بدا ذلك لحين. ولا صهاريج المازوت تغيّر في الواقع شيئًا. ولن تُحلّ الأزمة برفع الصوت أو بتركيب الصور. لذلك فعلى الحكومة الحالية العمل أقله على ترييح الوضع وإجراء انتخابات نيابية نزيهة. وطبعًا لا ينتظرنّ منها عاقلٌ أن تقود عملية النهوض. وقد قال في ذلك خبير إقتصادي دولي ردًا عن سؤال: لا نهوض إقتصاديًا في لبنان ولا إصلاح في الإدارة ما دام هناك سلاح خارج إطار الدولة.. وبالتالي فالحكومة الحالية كالحكومات الأخريات، لن تنجح في الإصلاح، بانتظار التغيير الشامل والكامل... عندما يأتي، وهو آت لا محالة!