خاص

كلام البلد: لبنان تحت الإحتلال... هكذا يتم التحرير!

 

تتوسّع مظاهر انحلال الدولة وتترسّخ في تدحرجٍ مريب ومريع. ما عرف لبنان قبلًا مثلَ هذا التقهقر حتى في زمن الحرب وتفكّك الدولة وشلل المؤسسات. ومع ما يحمل ذلك من خطر على الكيان والشعب ومقومات الإستمرار، إلا أن الأدهى هو سياقية المسألة المندرجة ضمن مشروع أيديولوجي يهدف إلى تدمير كل ما هو قائم والبناء على ركامه بمواصفات غريبة عن تاريخه وهندسات لا تحاكي المستقبل.

هذا في العامّ. أما في بواطن التفاصيل، فتكمن عملية وضع اليد على لبنان، سياسيًا وأمنيًا وثقافيًا وماليًا وقضائيًا حتى آخر منظومة أساسات الدولة. ليس ما يجري لعبة سياسية داخلية، ولا هو طبعًا مواجهة بين جبهتين تختلفان على الأسلوب لتقديم الأفضل للبلد. فكل ما يحصل يشير باليقين القاطع إلى أن لبنان بلد محتل، لا تتمتع حكومته بأبسط مظاهر السيادة على أرضه، ولا ينعم شعبه بأدنى حقوق حرية المعتقد والممارسة والتعبير. ولأن الإحتلال القائم هو اسوأ أنواع الإحتلالات لأنه من الداخل، لذلك فالمواجهة الناجحة ليست كلاسيكية ولن تكون سهلة.

خضع لبنان في سنواته الخمسين الأخيرة لاحتلالات عديدة بدءاً من هيمنة منظمة التحرير الفلسطينية على قراره، والتحكم بمفاصل سياساته الداخلية والخارجية. ثم الإحتلالين الإسرائيلي والسوري حتى العام 2000 والعام 2005، ليتكفّل بعدها "حزب الله" بتنفيذ مهمة الإحتلال الإيراني للبنان من ضمن العواصم الأربعة التي لم يُنكِر القائد السابق لفيلق القدس قاسم سليماني وقوعها تحت هيمنة طهران.

في كل المراحل السابقة كانت المواجهة تقليدية. ومعلوم أن إزاحة الإحتلال تكون عبر وسيلتين: إما بمساعدة جيش أجنبي يحرر الأرض المحتلة، وإما عبر المقاومة الداخلية المسلحة وصولًا حتى التحرير. وعليه فقد نجحت المقاومة اللبنانية في الحد من النفوذ الفلسطيني وهيمنته، إلى أن اضطر ياسر عرفات إلى مغادرة لبنان مع كوادر حركته ومقاتليها بعد اجتياح الجيش الإسرائيلي لبيروت في العام 1982. ثم نجحت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) والمقاومة الإسلامية في الضغط على الإسرائيلي إلى أن انسحب. وكذلك مقاومة الشعب اللبناني ثم انتفاضته في العام 2005 ما أدى إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان.

في كل الحالات السابقة كان المحتل منظمةً أو جيشًا غريبًا، إلا في حالتنا الحاضرة فهو احتلال أجنبي عبر أبناء البلد، وهنا مكمن المشكلة وعقدة التحرير. لم يعد خافيًا على أحد سيطرة "حزب الله" على مفاصل الدولة والحياة السياسية والإقتصادية والأمنية في البلد. أصلًا هو لا يُنكر ذلك وإن غلّفه بالنكران الواهي حينًا أو بالإقرار بهدف الإستغلال حينا آخر. أليس تهديد قاضي التحقيق في أبرز قضية جنائية في التاريخ الحديث، اجتياحًا للقضاء وحقوق اللبنانيين؟ أليس قول رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد: "يتوهمون أن بإمكانهم تغيير المسار السياسي في البلد"، مصادرةً لإرادات الناس الذين بإمكانهم تغيير هذا المسار عبر الإنتخابات من غير أن يتم الإنقضاض على نتائجها كما حصل في السابق؟ أليس اجتياح بيروت في العام 2008 احتلالًا؟ وماذا يعني رهن قرار الدولة ومصالح الشعب لعاصمة أجنبية، واستباحة الحدود ومصادرة القرار، غير احتلال؟ أما المازوت آخر فصول هذه الإستباحة، فليس أكثر من مظهر خادع لاحتلال قابع، مهما سعى الحزب إلى تصويره على أنه "خدمة بأشفار العيون".

هذا الأمر لم يعد هو بذاته مسألة نقاشية، بل بات من المسلّمات. السؤال اليوم كيف يمكن استعادة السيادة والقرار الحر، وسط كل هذه التعقيدات المحلية والإقليمية والدولية؟

ما قاله النائب رعد هو ما يعمل الحزب فعلًا على تنفيذه: عدم السماح بتغيير المسار الذي رسمه ويشقه منذ أربعة عقود. كاد رفيق الحريري يضرب هذا المسار، فتم ضربه هو وإزاحته من الطريق. استكملت قوى 14 آذار المشروع، فتمّت فكفكتها وتشتيت قواها. قامت بوجهه الإنتفاضة الشعبية في 17 تشرين الأول فأجهضها وحرفها عن مسارها وتابَع. وباتت لا تتشكل الحكومات إلا برضاه ولا تسير العدالة إلا على هواه. وهل هناك هيمنة بعد أكبر؟!

من هنا لا بد من العمل لاستعادة القرار إلى كنف الدولة، والسيادة إلى محرابها. وهذا يتم نظريًّا عبر طريقتين: الحوار لإيجاد مخرج، أو القوّة لإنهاء الهيمنة. بما خص الحوار، تَبيّنَ عمليًّا أن طاولاته السابقة بأسرها لم توصِل إلى أية نتيجة، لا بل ضربَ "حزب الله" بمقرراتها عرض الحائط، وقال عن إعلان بعبدا: "بلّوه وشربو مايتو". أما بما خص القوّة، فهي إما خارجية وإما داخلية. القوّة الخارجية غير مطروحة ولا مطلوبة، لأنها أخلاقيًّا هي استجلاب الغريب لضرب القريب. وهذا أمر مرفوض، عدا عن كونه في النهاية هو استبدالٌ لاحتلال باحتلال. والقوة الداخلية أي المقاومة لدحر الإحتلال تعني قيام حرب أهلية لأن التقاتل هو بين أبناء الوطن الواحد. وهذا أيضًا مرفوض.

يبقى المتاح الوحيد هو التغيير الديمقراطي عبر الإنتخابات النيابية. أهمية ذلك أنه جذريٌّ وهادئ، ونقاط ضعفه أن شريحة كبيرة من الناخبين لا تأخذه على محمل الجد فتتدنّى نسبة الإقتراع وترتفع نسبة التحكّم بالنتائج. من هنا فإن المسؤولية اليوم أكبر من أي استحقاق مضى وهي تتوزّع على مستويين: في البيئة الشيعية، حيث الرهان يكبر ويترسّخ أكثر على المتنوّرين المتحرّرين فيها، وهم كثر، ليَثبتوا في قناعاتهم ويتوسّعوا فيحرِّرون بتحررهم "الطائفة الرهينة" لمصلحة لبنان الحر ويُسقطون البيئة الحاضنة للإحتلال. وذلك عملًا بقول الإمام موسى الصدر: "نحن لبنانيون أولا وشيعة ثانيًا". والمستوى الثاني على امتداد الوطن، حيث الجميع مدعو إلى لحظة وعيٍ بعيدًا عن المصالح والكيدية لصالح البلد والقضية، والإقتراع للوطن من غير خوف فيُحدثون التغيير المطلوب. لطالما استسلم اللبنانيون، والمسيحيون خصوصًا لتلقينهم القراءات وسَيْر الأحداث والأفكار، وتصرفوا على ضوئها إعجابًا وانتخابًا... فكانت الكارثة. اليوم مدعوون إلى أن يُفكِّروا هم ويروا هم ويقرأوا ويستنتجوا هم، وبناء على ما يُحصّلونه من نتائج فليتصرفوا الآن، لأن الفرصة لن تتكرّر قبل أن يكون قد فات الأوان.

لن يتحرّر لبنان إلا بالإقتراع الصح والكثيف، وإلا فالملامة على أنفسنا، والإحتلال على صدورنا، والوطن على سكّة الزوال.