يهزّك المشهد، رعبٌ ودمار وقمار بالبلد والناس. يهزّك المشهد أن ترى شعبًا يتشرّد وسط الخوف، وعماراتٍ تسقط وسط الدخان، وبلدًا يقضمه الركام، وأحدٌ لا يبالي فيرتدع عن فعله الجرمي، وآخر لا يبادر إلى القيام بأبسط مسؤولياته، بل يتنحّى عنها ضعفًا ويخالف القانون جهارًا غير آبه بالبلد والناس.
يهزّك المشهد أن ترى السافل فاحشًا والحارس نائمًا والرزق سائبًا والشعب تائهًا بين الحرام والحرام... ليس الجنوب ملك جماعة تقرّر هي ما تفعل به من دون رادع ولا مساءلة. الجنوب ملك الوطن وجزء عزيز منه، والوطن ملك أهله، وأهله يريدون الحياة من أجل أنفسهم ويرفضون الموت من أجل الآخرين.
ما يحصل، ما عاد مسموحًا به إطلاقًا. هو ليس مسموحًا به في الأساس، لكن كان هناك من يموِّه ومعه من ينوِّه، ومع الإثنين من يعمل على تمرير قطاره على سكّة الدجل ولو كلّف ذلك خسارة البلد بأسره وأهله. ماذا تنتظرون وإلى متى لتكونوا رجال دولة وتتركوا للتاريخ بصمة افتخار لا تُمحى لا وصمة عار تمحو ما بَناه السالفون من أمجاد حتى اليوم؟
لو وقفت الدولة على ركبتين ثابتتين في العامين 1969 و1973 لما حصلت الحرب في العام 1975 مع ما خلّفته من تداعيات إنسانية واجتماعية ومالية حتى آخر واحدٍ من عناصر قيام الدولة ومتانة المجتمع. ها هو الملك حسين حسمها في الأردن فارضًا منطق الدولة، فخلّص المملكة وشعبها مما حصل للبنان في ما بعد بسبب فوضى منظمة التحرير الفلسطينية وبناءها دويلة داخل الدولة تنخرها من النواة ولا تبادر الدولة إلى القيام بأبسط الواجب.
ولو وقفت الدولة على ركبتين ثابتتين في العامين 2005 و2006، وكان لبنان قد تخلّص من سطوة النظام السوري، لما حصلت غزوة 7 أيار في العام 2008، ولما وجدت منظمة حزبللاه الباب مفتوحًا فما استحت وأحجمت، بل استباحت كل شيء. من يومها كان على الدولة أن تبادر فما فعلت، وأن تفرض سلطتها فما تجرّأت، بل وقعت بين حالتي الإستزلام والإستسلام و"إيْد الما فيك عليا بوسا وادعي عليا بالكسر" و"بعد حماري ما ينبت حشيش"... فاجتاح القحط أداء الدولة وإدارتها وأرجاء البلد، بعد أن شبع الحمار على حساب الناس.
وتلافيًا لأخطاء الماضي وخطاياه، وتأسيسًا لدولة فعلية، دولة العدالة والأمان والإزدهار، لا بد من التوجّه إلى أربعة: منظّمة حزبللاه، بيئتها الحاضنة على رغم كل ما تتكبّده من أثمان، داعموها ومغطون خروجها على القانون لمكاسب خاصّة، والدولة... خصوصًا الدولة.
إلى المنظّمة: ماذا جنت لكم كل أعمال القتل والتنكيل والإغتيالات وماذا خدمت في قضيتكم غير استخدامكم في فترة لمهمّة شرّيرة، وقتلكم بعد انتهاءها؟ وماذا جنت لشعبكم غير القتل والتهجير وشظف العيش وبئس المصير. وألم تروا كيف نمت منظمة التحرير الفلسطينية وكيف نالت الدعم لتأدية الدور، وكيف انتهت شريدةً تتسكّع ساعاتٍ للرحيل وأمكنةً للإقامة؟ وهل أدت "مقاومتُها" غير الدمار للبنان والأذى للقضية-الشعار نفسها ولشعب فلسطين الذي استفاق بعد أن خسر كل شيء، حتى قدرة التفاوض بعد فقده قدرة القتال؟
إلى البيئة الحاضنة: أنتم قسمان.. قسم غرّته المراكز والمال والنفوذ، وقسم غرِّرَ به بالعقيدة الدينية والأدلجة السياسية ووهم الإنتصارات وارتقاء الهالكين. لكن في الحقيقة ما كنتم إلا وقودًا لثورة منتهية الصلاحية خارجة عن الزمن، ولنظام استخدمكم خِرافًا علفها بين بداية شوّال والعاشر من ذو الحجّة ليقدمها أضحية على موائد مفاوضاته أو في ميادين مصارعة الموت. فانتفضوا، إنتفضوا من أجلكم قبل أن يَفرض الواجب انتفاضكم من أجل الوطن.
داعمو المنظمة ومغطّو خروجها على القانون: أنتم أسوأ الناس، لأنكم لم تجاروا الحق حكمًا ولم تتبعوا الباطل ضلالاً بل خبثًا وسعيًا لمنفعة شخصية على حساب مصلحة الوطن والناس. وسيحاسبكم الناس يومًا، وإن لم يفعلوا سيحاسبكم التاريخ. فلولاكم لما تمادت منظمة التحرير في زمانها ولما تجبّرت منظمة حزبللاه وما زالت تتجبّر مستعينة بأقنعة وجوهكم لإقناع مؤيديها بأنها تحظى بالتأييد.
أما الدولة... هذه السلطة الحالية المتشكلة بعد عناءٍ وشقاء وبعد جهودٍ ووعود، ماذا تنتظرون لتسرجوا خيول الحكم وها هي المعركة في ذروة اشتعالها؟ ماذا تنتظر يافخامة الرئيس جوزف عون لتقول للجميع الأمر لي، ولتقْدِم على إصلاح الأمر؟ فلا الخوف من الحرب الأهلية جنّبنا نارها في نيسان 1975 ولا أدّت سياسات المهادنة واللفلفة إلا إلى خراب البلد. لا نطلب منك جديدًا، بل نكتفي بتطبيق خطاب القسم كلمة كلمة وحرفًا في إثر حرف. فهل أدّت مراعاة حزبللاه إلى مراعاتكم وعدم زج البلد في حرب مدمّرة دفاعًا عن إيران؟
فخامة الرئيس، حضرة قائد الجيش، وبدرجة أقل دولة رئيس الحكومة – ولن نطلب من الرئيس بري أن يفعل ما نتيقّن كل اليقين أنه لن يفعله لألف سبب وسبب - أنْ تقبل الضحية بالموت فهذا لا يُعفي القاتل من جرم القتل ومن وجوب المحاكمة. إنّ بعض ما نشهده حتى الآن من إجراءات جيّد، لكنه غير كاف ولا يُرضي الداخل اليائس ولا الخارج الداعم.
عندما تقرر منظمة حزبللاه المبادرة لأي عمل ولو مخالفًا للدستور وخارجًا على القوانين، فإنها لا تأخذ للدولة وللنتائج أي اعتبار، فلماذا عندما تقرر الدولة تطبيق القانون وحماية الناس تأخذ بالاعتبار رضى المنظمة المصنّفة من قبلكم غير قانونية؟ كيف يؤكّد قائد الجيش تنظيف جنوب الليطاني من الأسلحة والمسلحين ثمّ يتبيّن أن ذلك لم يكن صحيحًا؟ كيف يرفض القائد تنفيذ قرارات مجلس الوزراء ولا يحاسَب؟ وإلى متى سنبقى نفرح بالقول الحسن والقرار الجيّد ونحزن عند التجربة التي تكون إما مُعتَوِرَة وإما مجمّدة تحت حجج واهية بات واضحًا أنها لا تبني بلدًا؟
ما نقوله يا سادة ليس نداءنا بل نداء البلد، وتعرفونه لكن لا بد من التأكيد عليه والإصرار حتى تنفيذ القرار. فمصير الناس ليس لعبة ومستقبل البلد لم يعد يحتمل المماطلة والإلتواء والإحتواء والتبجيل والتأجيل. فبادروا بالحسم قبل أن يصير متأخرًا لا يُجدي ولا يبني عهدًا ولا دولة بل لعنة تلاحقكم حتى يفرغ التاريخ من محاسبة المقصّرين!
سيمون سمعان | رئيس التحرير
