كَشف البيان الصادر عن الاجتماع التمهيديّ اللبنانيّ- الإسرائيليّ غير المسبوق في واشنطن عن “اختلال مصالح” واضح بين المتحاورين. لم يُرصَد في لبنان أيّ تعقيب كلاميّ على البيان والصور الموزّعة للّقاء، من الرئاسات الثلاث، باستثناء استقبال رئيس الجمهوريّة “المُفاوض” سيمون كرم في قصر بعبدا، فيما كان اجتماع واشنطن لا يزال منعقداً.
تفيد المعلومات في هذا السياق بأنّ التنسيق اللبنانيّ-الأميركيّ، قبل الاجتماع وبعده، كان ناشطاً، إذ كان لبنان مشاركاً “عن بُعد” أيضاً في صياغة البيان في “شقّه اللبنانيّ”. فيما يبقى وقف إطلاق النار أوّلاً هاجس السلطة، تشير مصادر سياسيّة إلى احتمال عقد اجتماعات أخرى على مستوى السفراء في واشنطن لبحث وقف الأعمال العدائيّة، بحيث تبدأ الجولة الأولى من المفاوضات بعد وقف إطلاق النار، وليس تحت النار. لكن لا معلومات حتّى الآن عن مدى التجاوب الأميركيّ-الإسرائيليّ مع هذا المطلب.
في المقابل، تكثّفت الجهود أمس، بكافة الاتجاهات من باكستان إلى طهران، ومن واشنطن إلى تل ابيب، وعلى خط ايران-باكستان-الرياض لوقف إطلاق النار تمهيداً لبدء المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، واستئناف مفاوضات إسلام آباد.
برّي غير راضٍ أخبار بيروت
وفق المعلومات، لم ترضِ صيغة بيان 14 نيسان الثلاثيّ الرئيس نبيه برّي، إذ يكفي خلوّه من أيّ إشارة إلى احتمال وقف إطلاق النار، أو تبنّي الوسيط الأميركيّ أو تشجيعه لهذا المسار، وأكّد في مقدّمته، بما يُشبِه التوازن التامّ بين واقعين، “دعم الولايات المتّحدة لحقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات المستمرّة التي يشنّها “الحزب”، ودعم خطط حكومة لبنان لاستعادة احتكار استخدام القوّة وإنهاء النفوذ الإيرانيّ المُفرط”، متحدّثاً عن أنّ “الأمل أن تتجاوز المحادثات نطاق اتّفاق عام 2024، وتفضي إلى إبرام اتّفاق سلام شامل”، وهو ما لا تعارضه السلطة القائمة، لكن بعد تنفيذ سلّة مطالبها، لا سيّما الانسحاب الإسرائيليّ.
بشّر البيان من زاوية الموقف الأميركيّ بأنّ “هذه المفاوضات تنطوي على إمكانيّة فتح المجال أمام مساعدات كبيرة لإعادة الإعمار وتعافٍ اقتصاديّ للبنان، وتوسيع فرص الاستثمار لكلا البلدين”.
ثمّة من يؤكّد أنّ الحراك على خطّ برّي-الرياض قد يكون المقصود منه إيجاد توازن مع مشهد واشنطن، إضافة إلى دخول المملكة السعوديّة على الخطّ في محاولة للدفع باتّجاه وقف إطلاق النار لإنجاح المفاوضات، والتخفيف من حدّة التوتّر في الداخل، لا سيّما أنّ زيارة النائب علي حسن خليل للرياض أعقبت اتّصال وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي بنظيره السعوديّ فيصل بن فرحان، في لحظة يرغب فيها برّي بتوضيح الموقف الشيعيّ الرسميّ من التفاوض المباشر، ومن قرارات الحكومة التي سيؤدّي تنفيذها بالقوّة، برأيه، إلى أزمة داخليّة خطِرة.
إسرائيل: سنعمل مع حكومة لبنان
أعرب الجانب الإسرائيليّ، من جهته، عن “التزامه العمل مع حكومة لبنان لتحقيق نزع سلاح جميع الجماعات الإرهابيّة غير التابعة للدولة، وتفكيك جميع البنى التحتيّة الإرهابيّة في لبنان”.
أمّا لبنان فأعاد تأكيد “الحاجة الملحّة إلى التنفيذ الكامل لإعلان وقف الأعمال العدائيّة الصادر في تشرين الثاني 2024″، مشدّداً على “مبادئ وحدة الأراضي والسيادة”، مع الدعوة إلى “وقف لإطلاق النار، واتّخاذ تدابير ملموسة لمعالجة الأزمة الإنسانيّة الحادّة”.
لا ضمانات
في خلاصة البيان الذي عكس “اتّفاق جميع الأطراف على إطلاق مفاوضات مباشرة في زمان ومكان يتمّ التوافق عليهما بشكل متبادل”، لا ذكر لأيّ ضمانات، ولا التزام لوقف إطلاق النار تحت أيّ شرط. حتّى إنّ تصريح وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو في مستهلّ الاجتماع ربط وقف النار بـ”إيجاد حلّ نهائيّ لعشرين أو ثلاثين عاماً من نفوذ “الحزب” في هذه المنطقة من العالم”، معتبراً أنّ “العمليّة تستوجب وقتاً، والأمل أن نتمكّن من وضع إطار عمل يُبنى عليه سلام دائم ومستدام”.
إنجازان
مع ذلك، تقول أوساط رسميّة إنّ “الملفّ اللبنانيّ – الإسرائيليّ يحظى للمرّة الأولى منذ بدء الحرب باهتمام أميركيّ مطلوب، تُرجم من خلال المشاركة الشخصيّة لوزير الخارجيّة الأميركيّة ماركو روبيو في المحادثات، إضافة إلى المستشار مايكل نيدهام، والسفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى”، مشيرة إلى أنّ “دعوة عون إلى التفاوض بشكل عامّ عمرها أشهر، فيما طالب بالتفاوض المباشر في 9 آذار الماضي. أمّا الإنجاز الثاني فهو فصل المسار عن المفاوضات الأميركيّة-الإيرانيّة”. أخبار بيروت
كانت لافتةً في هذا السياق إشارة روبيو إلى أنّ “التخطيط لهذه المحادثات بدأ منذ نحو شهر، وقبل حسم محادثات إسلام آباد”. ربّما هذا ما يُفسّر رصد ارتياح منذ أسابيع، في القصر الجمهوريّ والسراي، لكون التفاوض آتياً حتماً”.
لكنّ جملة أساسيّة في تصريح السفير الإسرائيليّ يحئيل ليتر قد تكون كفيلة بترسيم ضوابط هذه المفاوضات قال فيها: “أمن المدنيّين ليس موضوع تفاوض، وهذا الأمر تفهمه حكومة جوزف عون التي قالت لا لـ”الحزب”، وسنواصل معاً للتصدّي لوكيل إيران”.
لا لفرنسا
أمّا في مقلب مؤيّدي “الحزب” فثمّة من يلوّح بأنّ “التواصل اللبنانيّ-الإسرائيليّ بدأ فعليّاً قبل لقاء 14 نيسان، مع العلم أنّ بيان واشنطن أشار إلى الحصريّة الأميركيّة في رعاية المحادثات، وفَصل المسار عن المفاوضات الأميركيّة-الإيرانيّة في إسلام آباد”، عبر التأكيد أنّ “أيّ اتّفاق لوقف الأعمال العدائيّة يجب أن يتمّ التوصّل إليه بين الحكومتين، بوساطة الولايات المتّحدة، وليس عبر أيّ مسار منفصل”.
هنا تُطرح تساؤلات بديهيّة عن مدى دخول أيّ دولة أخرى على الخطّ، سواء كانت المملكة السعوديّة أو مصر أو قبرص، لإبداء أيّ اقتراحات أو استضافة مفاوضات مباشرة. لكنّ الحصريّة الأميركيّة للمفاوضات عَكسَها السفير الإسرائيليّ من خلال تأكيد “ضرورة إبعاد الفرنسيّين عن المفاوضات”.
من يخسر برّي يخسر لبنان
في خلفيّة المواكبة الشيعيّة لأوّل لقاء لبنانيّ-إسرائيليّ ممهّد للمفاوضات يشير مطّلعون إلى معطيَين أساسيَّين:
– اتّفاق تامّ بين “الحزب” والرئيس برّي على أولويّة اتّفاق وقف إطلاق النار، ورفض التفاوض المباشر مع إسرائيل. أمس عكس المفتي الجعفريّ الممتاز الشيخ أحمد قبلان هذا المسار من خلال القول إنّ “سلطة الوصاية الأميركيّة تفتقد أدنى شرعيّة وطنيّة، وبتفاوضها الذليل مع العدوّ. ومن يَخسر الرئيس برّي يخسر لبنان”.
– تمايز بين الحليفين في الأمور الآتية:
* تجاوَزَ الرئيس برّي في مسألة التفاوض عبر “الميكانيزم”، فيما “الحزب” أعلن موقفه صراحة، وبسقف عال: لا للتفاوض المباشر أو غير المباشر.
* لم يتبنَّ برّي مقاربة “الحزب” التي عكسها أكثر من مسؤول ونائب في “الحزب”: لا التزام لأيّ اتّفاقات تنتج عن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. أخبار بيروت
* تمايز بقي تحت السيطرة تماماً في ما يخصّ تحريك الشارع بوجه حكومة نوّاف سلام والسلطة.
مصير وقف النّار
على خطّ آخر، ما مصير وقف إطلاق النار عقب اللقاء اللبنانيّ-الإسرائيليّ؟
حتّى الآن، لا ضمانات أميركيّة، ولا تأكيدات من أيّ جهة لقرب وقف إطلاق النار نهائيّاً، وهذا ما يمهّد لاحتمال بدء الجولة الأولى من التفاوض تحت النار، وتكثيف الإسرائيليّ لاستهدافاته وعمليّاته العسكريّة. المرجّح، وفق مصادر سياسيّة، “أن يُبقي الإسرائيليّ على تحييد بيروت فقط، فيما لا يزال يصبّ نار حممه على الجنوب والبقاع، مكرّراً أمس إنذار سكّان جنوب الزهراني بضرورة الإخلاء، فيما لا ضمانات إطلاقاً في ما يتعلّق بإعادة استهداف الضاحية”. أدلة سفر وقصص الرحلات
ملاك عقيل - اساس ميديا
