صحافة

من كسر المحظور إلى اهتزاز الأولويات... ماذا تغيّر عمليًا مع أول تفاوض مباشر؟



 

قد تكون الصورة الدبلوماسية الأندر منذ عقود تلك التي جمعت بين لبنان وإسرائيل مساء الثلاثاء، وشكّلت بحسب كثيرين "لحظة تاريخية فاصلة"، باعتبار أنّ الحدث الذي جمع بين طرفين يعيشان حالة حرب مفتوحة منذ سنوات طويلة، يمكن أن يُفهَم على أنه انتقال تقني من القطيعة إلى التواصل، ولذلك دلالاته الكبيرة، خصوصًا أنّها المرة الأولى التي يدخل فيها الجانبان في تفاوض مباشر، بعدما كان الوسطاء هم من يتولّون تبادل الرسائل في السابق.

 

لعلّ الأهمية الفعلية لهذا الحدث تكمن في أنه دشّن، للمرة الأولى منذ عام 1993 وفق بيان الخارجية الأميركية، مستوًى جديدًا من الاتصال المباشر بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، علمًا أنّ الصورة التذكارية وحدها تكاد تكون هدفًا أميركيًا وإسرائيليًا من الحدث. لكنّ المفارقة هي أنّ هذا التحول جاء في سياقٍ يصحّ وصفه بـ"غير الطبيعي"، فعندما التقطت الصورة الجامِعة، كان الجنوب لا يزال يرزح تحت النار، فيما النازحون عالقون في مراكز الإيواء.

 

 

ربما لهذا السبب تحديدًا، أثار الأمر التباسًا وجدلًا كبيرين في الداخل اللبناني، حيث تباينت وجهات النظر بين من بالغ في الحماس له، ومن وضعه في خانة "حكم الضرورة"، ومن حذر في المقابل من تبعاته الخطيرة، لكونه يشكّل تنازلًا غير مسبوق في تاريخ الصراع. لكن، مهما تفاوتت القراءات وتباينت، يبقى الثابت أنّ لبنان ذهب إلى الطاولة من دون أن يضمن مسبقًا "المكسب الإلزامي" الذي طالما اعتبره المدخل الوحيد لأي مسار سياسي، وهو وقف العدوان.

 

 

ما حققه أول تواصل مباشر

 

صحيح أنّ أي تواصل مباشر بعد أكثر من ثلاثة عقود من القطيعة يحمل وزنًا سياسيًا ومعنويًا لا يمكن الاستهانة به، إلا أنّ هذا الأمر لا يحسم وحده طبيعة ما جرى، بل إنه قد ينقلب على لبنان، في ظلّ الاحتقان الواضح الذي أفرزته. فالمسارات التفاوضية لا تُقاس بندرتها ولا بدرجة الجرأة التي تنطوي عليها صورتها الأولى، وإنما بما إذا كانت قد انطلقت من جدول أعمال متوازن، وبما إذا كان الطرف الأضعف قد دخلها وفي يده ما يكفي لحماية أولوياته. تحليل سياسي

 

حتى الآن، ما ظهر هو العكس تقريبًا، فلبنان ذهب إلى الطاولة تحت ضغط النزوح والدمار، فيما واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية من دون التزام بوقف إطلاق النار، حتى لو أعقب ذلك في اليوم التالي أول حديث "جدّي" عن وقف إطلاق النار، وأكثر من ذلك، كان لافتًا أن تل أبيب سعت سريعًا إلى دفع النقاش نحو ملفات "أبعد" من مجرد التهدئة.

 

كسر المحظور لا يكفي..

 

لهذا السبب، لا يكفي القول إن الجلسة كسرت محظورًا قديمًا للحديث عن إنجاز عمليّ تحقق. قد يكون السؤال الأدق هو ما إذا كان هذا الكسر أنتج اختراقًا لبنانيًا، أو فتح بابًا جديدًا في لحظة كان فيها لبنان أحوج ما يكون إلى تثبيت عنوان واحد واضح هو وقف الحرب. وهنا يلفت أن بيان الخارجية الأميركية، الذي وصف المحادثات بأنها "مثمرة" و"تاريخية" من حيث الشكل، لم يبدّد فجوة المضمون، ولا سيما مع استمرار الحرب في الميدان.

 

في الجوهر، كان لبنان يريد فتح ثغرة في جدار النار، أو على الأقل تثبيت أن المسار السياسي يبدأ بوقفها. في المقابل، دخلت إسرائيل الجلسة بروحية مختلفة، وكأنّها تقول إنّها لا تريد أن يكون الجلوس تنازلًا عن أهدافها الأعلى. ولهذا ظل خطابها مشدودًا إلى نزع سلاح "حزب الله" والأمن الحدودي و"العلاقات السلمية" كما عبّر رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، فيما بقي المطلب اللبناني المباشر، أي وقف العدوان وعودة النازحين، أقل حضورًا. العرب وشعوب الشرق الأوسط

 

 

بشكل أو بآخر، حاولت إسرائيل تحويل الجلسة من منصة لإطفاء الحريق إلى مساحة لفرض شروط أمنية وسياسية تتعلق بسلاح "حزب الله" والترتيبات الحدودية، وهو ما جعل الحصيلة المباشرة للقاء تتسم بالضبابية مقابل وضوح "الاستعراض" الدبلوماسي. فحين يبدأ التفاوض من هذا التباين الحاد، يصبح واضحًا حجم الفجوة بين ما يطلبه لبنان وما تريد إسرائيل أن تجعل الطاولة تبحث فيه، وهنا بيت القصيد. تحليل سياسي

 

فخ "اليوم التالي"

 

قد تكون المعضلة الأعمق في مفاوضات واشنطن أنّ النقاش بدا كأنه قفز بسرعة من سؤال وقف الحرب إلى سؤال ما بعدها، أو ما بات يصطلح على تسميته بـ"اليوم التالي". فعندما تُطرح ملفات السلاح، والأمن، والحدود، وشكل الترتيبات المقبلة، فيما القصف قائم والنازحون لم يعودوا والخراب لم يتوقف، يجد لبنان نفسه مضطرًا لمناقشة أثمان المرحلة المقبلة قبل أن يضمن الخروج من المرحلة الحالية.

 

أخطر ما في هذا الانتقال المبكر إلى البحث في "اليوم التالي" هو أنه يبدّل طبيعة الطاولة، فبدلاً من أن تكون مكانًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قد تتحول إلى ساحة يُطلب فيها من لبنان تقديم تنازلات سيادية تحت وطأة الميدان. ومن هنا، يكتسب اعتراض "حزب الله" أبعادًا تتجاوز الموقف الحزبي، إذ يسلّط الضوء على خطر تحول التفاوض إلى عامل "اشتباك داخلي" يمس التوازنات الوطنية وسؤال من يقرر، ومن يفاوض، وتحت أي سقف، وباسم أي أولوية.

 

هل كان أمام لبنان خيار آخر؟

 

لا يمكن القول إن الذهاب إلى واشنطن كان خيارًا يملك لبنان رفاهية رفضه، بغض النظر عن بعض المواقف الرافضة أو المعترضة، خصوصًا في أوساط "حزب الله" والقريبين منه. العكس هو الأرجح، باعتبار أنّ البلد منهك، والناس تعبت، والقدرة على تحمّل حرب طويلة إضافية محدودة، وبالتالي، فهناك حاجة فعلية إلى أي نافذة يمكن أن توقف الاستنزاف.

 

لكن الحاجة إلى التفاوض شيء، والقبول بطبيعة التفاوض وشروط بدايته شيء آخر، والفرق جوهري بين دخول القاعة لانتزاع وقف نار، وبين دخولها والطرف الآخر يستخدم النار لتحسين شروطه. وبالتالي فإنّ مجرد الدخول لا يكفي إذا كان الطرف المقابل يستخدم استمرار النار لتحسين شروط ما بعدها، وإذا كان الوسيط يمنح الحدث قيمة تاريخية قبل أن تتضح ضماناته.

 

لذلك، قد يكون أدق توصيف لما جرى أن لبنان دخل تفاوضًا عالي الرمزية، منخفض الوضوح، قبل أن يحقق أولويته المباشرة، وفتح سريعًا ملفات أكبر من قدرته الراهنة على حسمها أو حتى على مقاربتها بأعصاب هادئة.

 

حتى لا يصبح التفاوض عبئًا

 

في المحصلة، قد يكون المحظور سقط فعلًا مع أول تفاوض مباشر بين لبنان وإسرائيل، وهو مشهد ما كان أحدُ في لبنان يتوقع إمكانية حصوله قبل أشهر فقط، ولكن بالتوازي مع ذلك، اهتزّ ترتيب الأولويات. العرب وشعوب الشرق الأوسط

 

الحدث تاريخي من حيث الشكل، لكن هذا لا يكفي للحكم عليه سياسيًا. فلبنان لم يصل إلى واشنطن بعدما انتزع وقف العدوان، ولا بعدما فرض إطارًا واضحًا للمسار، وإنما وصل إليها تحت ضغط الميدان، فيما كانت إسرائيل تحاول أن تجعل الطاولة تبحث في "اليوم التالي" قبل أن تتوقف الحرب نفسها.

 

ولهذا، فإن قيمة ما جرى لن تُقاس بصورة الجلسة ولا بندرة الحدث، وإنما بمدى قدرة المفاوض اللبناني في الجولات المقبلة على إعادة مركز الثقل إلى المطالب الأساسية، قبل أن يتحول التفاوض نفسه إلى عبءٍ إضافيّ يفوق قدرة لبنان على الاحتمال