خاص

خاص: فايز مشموشي - لبنان في مرحلة ما بعد الحرب: سيادة معلّقة بين ضغوط الخارج وتصدّع الداخل.



بقلم العميد المتقاعد فايز مشموشي

شكّل لقاء واشنطن لحظة مفصلية في إعادة صياغة المشهد اللبناني ضمن إطار إقليمي و دولي أوسع. فقد تقدّم العامل الخارجي بوضوح ليرسم حدود المرحلة المقبلة، واضعاً هدفاً مركزياً يتمثل في فصل المسار الإيراني عن الواقع اللبناني، تمهيداً لإعادة تركيب التوازنات الداخلية على قاعدة الدولة، لا على قاعدة الأذرع.

في هذا السياق، قادت الولايات المتحدة الإيقاع السياسي عبر تحرك مباشر تولّاه الرئيس ترامب من خلال اتصالاته مع الرئيس اللبناني و نتانياهو، حيث لم يقتصر الهدف على تثبيت وقف إطلاق النار ومنع قصف لبنان، بل تعدّاه إلى فرض مسار سياسي جديد ينقل المواجهة من الحدود إلى الداخل اللبناني، وتحديداً إلى ملف نزع سلاح حزب الله. هذا التوجه يتكامل مع مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية، حيث قد  يُطرح ملف “الأذرع” كجزء أساسي من أي تفاهم، ما يجعل لبنان ساحة تطبيق لا ساحة قرار.

إلى جانب الدور الأميركي، برزت أدوار إقليمية متكاملة، سعودية باكستانية - باكستانية إيرانية وسعودية أميركية، عملت على وقف إطلاق النار بين اسرائيل وحزب الله، بالإضافة الى موقف داخلي سعودي  اتجه نحو إعادة التوازن داخل لبنان ومنعه من الانجرار نحو الفتنه الداخلية الذي ارادها البعض، وفي مسعى لتقليص نفوذ السلاح خارج الشرعية وتعزيز موقع القرار الرسمي.

إلا أن العامل الأكثر حساسية يبقى في انعكاس الدور الإيراني على الداخل اللبناني. فإسناد إيران لحزب الله، وربط الساحة اللبنانية بمسار تفاوضها الأوسع، دفع الدولة اللبنانية عملياً إلى تقديم تنازلات غير مباشرة، والإسراع في الانخراط في أدوار تفاوضية مباشرة لم تكن في موقع الحاجة إليها بهذا الشكل. هذا المسار لم يضعف فقط موقع الدولة التفاوضي، بل ساهم أيضاً في تعميق الانقسام الداخلي، حيث برز غياب واضح للإجماع الوطني حول مقاربة هذه المرحلة وما اكدها من تعليقات وتهجم على خطاب الرئاسة الاولى.
وفي هذا الإطار، تتكرّس إشكالية أعمق تتعلق بموقع حزب الله نفسه. فبعد سنوات من تقديمه كـ“مقاومة لبنانية”، يتزايد في الداخل اللبناني التشكيك بهذا الدور، مع ربط متصاعد لوجوده ووظيفته بالصراع الإيراني الأميركي والاسناد الإيراني في سياسته، هذا التحول في النظرة لا يعكس فقط انقساماً سياسياً، بل يعبّر عن فقدان الإجماع الوطني حول شرعية سلاحه ودوره، ما يجعله عرضة لأن يكون جزءاً من أي تفاهم او تسوية إقليمية محتملة، وربما أحد أثمانها.

ميدانياً، فرضت الحرب واقعاً جديداً، دمار واسع طال أكثر من 55 قرية، وشريط أمني فعلي جنوب الليطاني تكرّسه إسرائيل عبر استمرار عملياتها العسكرية. هذا الواقع يضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍ مزدوج، استعادة السيادة من جهة، ومنع تثبيت وقائع أمنية دائمة من جهة أخرى.
كما أتى بيان وقف إطلاق النار، رغم تأكيده على السيادة اللبنانية، حمل في مضمونه اختلالاً واضحاً لمصلحة إسرائيل، سواء لجهة حرية الحركة الأمنية أو تكريس واقع ميداني جديد. وهنا تتجلى المفارقة، سيادة مُعلنة، مقابل سيادة مُقيّدة عملياً، تمثلت بعدم القدرة على عودة النازحين إلى قراهم المدمرة فعليا.

أمام هذا الواقع، يدخل لبنان مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، وهي الأخطر. فالتحدي لم يعد عسكرياً فقط، بل سياسي سيادي بامتياز، هل تنجح الدولة في استثمار هذا الظرف لإعادة فرض سلطتها، مستفيدة من الدعم الدولي؟ أم يتحول ملف سلاح حزب الله إلى نقطة تفجير داخلية، في ظل غياب الإجماع حوله؟

في المحصلة لبنان لا يواجه فقط تداعيات حرب، بل اختباراً حاسماً لقدرته على إعادة تعريف نفسه كدولة ذات سيادة. فإمّا أن يتحوّل الظرف الدولي إلى فرصة لإعادة بناء القرار الوطني على أسس واضحة، وإمّا أن يبقى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح، ما يتُستنزف وحدته الداخلية.