صحافة

ليلة رعب “الحزب” من عودة النازحين



سيحتاج “الحزب” قريباً إلى تعديل سلوكه السلبي من عودة النازحين الذين يمرون بأسوأ الظروف المصحوبة بـ”طفر” الحزب الذي كان اعتاد منذ حرب عام 2006 أن يهجم بـ”المال النظيف” كي يداوي مآسي من تسبّب لهم بها

كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:

كان من المفترض أن يكون قرار وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ منتصف ليل الأربعاء الخميس الماضي حدثاً مهماً بالنسبة للبنانيين جميعاً، والنازحين منهم على وجه التحديد. وكيف لا يكون كذلك وهو الذي أنهى مسار الكارثة التي حلت بلبنان منذ الثاني من الشهر الماضي بعدما قرر “حزب الله” فتح حرب إسناد إيران على غرار إسناد غزة في 8 تشرين الأول عام 2023. ووصل حد الكارثة إلى بيروت نفسها في يوم أطلق عليه لقب “الأربعاء الأسود” في الثامن من الجاري. لكن “حزب الله” انفرد وحده دون سائر اللبنانيين فجاهر برفضه بنتائج وقف النار تاركاً الكثير من علامات الاستفهام حول موقفه هذا!

وتفاقمت المخاوف يوم السبت الفائت، بعد تصريحات للقيادي في “حزب الله”، محمود قماطي، دعا فيها النازحين إلى تفقد منازلهم والعودة بعدها إلى أماكن نزوحهم.

وقال خلال مؤتمر صحافي في الضاحية الجنوبية لبيروت :”أدعو أهلنا ألا تستقروا حيث تذهبون إلى الجنوب، أو تعودون إلى الضاحية، كونوا على حذر؛ الغدر الإسرائيلي متوقع في كل وقت وهذه هدنة مؤقتة”. وتابع “خذوا نَفَسًا، واطمئنّوا قليلًا ولكن لا تتخلوا عن الأماكن التي لجأتم إليها حتى نطمئن تمامًا للعودة”، مضيفًا “سوف ندعوكم للعودة والاستقرار، أمّا الآن فللاطمئنان ثم المغادرة”.

ولاحظت بعض وكالات الأنباء الأجنبية في اليوم نفسه أنّ البلاد شهدت زحمة سير صباحًا على الطريق من بيروت إلى الجنوب، مقابل زحمة معاكسة بعد الظهر من الجنوب باتجاه صيدا وبيروت.

اعتاد النازحون في زمن حروب إسرائيل منذ سبعينيات القرن الماضي أن لا يضيعوا دقيقة تمر بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار إثر تلك الحروب فيسارعون إلى العودة إلى ديارهم مهما كانت المخاوف والمحاذير .واتكل “حزب الله” نفسه على هذه الظاهرة في أيار عام 2000 عندما أعلنت إسرائيل الانسحاب من لبنان تطبيقاً للقرار 425 ، فدخل ضمن جموع العائدين إلى الجنوب الذي رزح تحت الاحتلال طوال 18 عاماً بدءاً من العام 1982.

اختلف المشهد قبل أيام وبدا أنّ “حزب الله” يقف على طرف نقيض مع مئات الآلاف من سكان المناطق الجنوبية التي فرضت إسرائيل عليها النزوح. واتى تصريح قماطي في سياق مواقف من قادة الحزب يتقدمهم الأمين العام الشيخ نعيم قاسم كي يكبحوا جماح عودة النازحين الذين سيعرقلون في مكان ما حسابات الحزب ومن خلفه إيران. وتنطلق هذه الحسابات من أٓن الكرة التي حسب قادة ايران أنها ستستقر في مرمى الولايات المتحدة الأميركية ستوفر عليهم تجرع كأس التنازلات المرة أمام واشنطن. لكن هذه الحسابات خابت عندما تلقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكرة فدخل على خط وقف النار ضاغطاً على إسرائيل كي توقف عملياتها العسكرية فنجح أولاً في إطلاق المفاوضات بين لبنان وإسرائيل على مستوى السفراء في واشنطن برعاية مباشرة من وزير الخارجية الأميركية، ثم نجح في 16 الجاري في وقف النار كي تمضي طهران نحو فتح مضيق هرمز.

وقد تزامن إطلاق النار السياسي على قرار وقف النار الميداني من إيران و”حزب الله”. وبدت إطلالة نعيم قاسم مساء أول أمس السبت وكأنها أتت نتيجة أمر عمليات من مرجعيته الإيرانية. فأصدر بياناً لم يكن الوقت متاحاً ليتلوه بنفسه كما يرغب عادة. وتضمن البيان لائحة مطالب جديدة تقفز فوق قرار وقف إطلاق النار والمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية. وتنطلق المطالب من “تطبيق النقاط الخمس:

١ـ إيقاف دائم للعدوان في كل لبنان جوًا وبرًا وبحرًا.

٢ـ  انسحاب العدو الإسرائيلي من الأراضي المحتلة حتى الحدود.

٣ـ  الإفراج عن الأسرى.

٤ـ  عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم حتى الحدود.

٥ـ إعادة الإعمار بدعم دولي عربي ومسؤولية وطنية”.

تصرف الأمين العام لـ”حزب الله” في بيانه الأخير وكأن الحرب التي تسبب بها بدءاً من آذار الماضي قد انتهت إلى انتصار للحزب على إسرائيل، مثلما انتهت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 شباط الماضي إلى انتصار الجمهورية الإسلامية على الاميركيين والإسرائيليين. فهل كان قاسم جاداً في ما ذهب إليه في بيانه؟

تقول المعلومات إنّ الرئيس الأميركي يصف السلوك الإيراني حالياً خلال فترة المفاوضات الجارية بأنه “مزاح”. ولا ضير في اعتبار الوصف نفسه ينطبق على بيان قاسم وسائر تصريحات سائر قادة الحزب. كان يمكن تحمل مزاح بيان قاسم لو كان لبنان كما كان عشية حرب إسناد غزة التي فتحها الأمين العام السابق السيد حسن نصرالله. لكن أحوال لبنان منذ أكثر من عامين ونصف العام لم تدع فرصة لمزاح يحل مكان الحزن المطبق الذي خيم على لبنان ولا يزال.

سيحتاج “حزب الله” قريباً إلى تعديل سلوكه السلبي من عودة النازحين الذين يمرون بأسوأ الظروف المصحوبة بـ”طفر” الحزب الذي كان اعتاد منذ حرب عام 2006 أن يهجم بـ”المال النظيف” كي يداوي مآسي من تسبب لهم بها. لكن “حزب الله” ومنذ الخميس الفائت تصرف على أساس أنه ليس هناك من وقف للنار فتح باب عودة النازحين إلى ديارهم. لذا، لا داعي لكي “يفتح” الحزب كيس “المال النظيف” كي يفرض ولاء البيئة على قاعدة “أطعم الفم تستحي العين”.

وفي انتظار إذعان “حزب الله” للحقائق الجديدة، يحاول الحزب جاهداً مداراة مفاعيل ليلة الرعب التي تمثلت بوقف النار واندفاع أرتال النازحين نحو ديارهم التي طال الشوق إليها في زمن ذل حروب الإسناد التي لا يزال “حزب الله” يلوّح بها!