محليات

أيّ عوامل دفعت "حزب الله" فجأة إلى التهديد بالتحلّل من اتفاق وقف النار مع إسرائيل؟



بكل المعايير، لم يكن الموقف الأخير الذي أطلقه النائب حسين الحاج حسن معلنا تحلل "حزب الله" من اتفاق وقف النار الأخير والرد على الخروق الإسرائيلية، مجرد زلة لسان أو ردة فعل انفعالية على تمادي إسرائيل في انتهاكها هذا الاتفاق، وفق ما أبلغه مصدر وثيق الصلة بالحزب إلى "النهار".
والواقع أن بيئة الحزب تغزوها منذ مدة موجة واسعة من الاستياء والمرارة وهي تشهد التدمير الإسرائيلي الممنهج لعشرات القرى والبلدات الحدودية. وكانت هذه البيئة تعتقد مبتهجة أن الحزب استعاد قوة الرد التي كانت له قبيل حرب إسناد غزة، فإذا بها تفاجأ بهذا التفلت الإسرائيلي في محو عشرات البلدات الحدودية من الخريطة.


بمعنى آخر، استشعرت تلك البيئة أن إسرائيل توشك أن ترسخ "قواعد اشتباك" جديدة في المنطقة الحدودية تماثل إلى حد بعيد تلك التي فرضتها في أعقاب سريان اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني 2024، وهي التي أباحت لها حرية الحركة في كل الجنوب امتدادا إلى كل لبنان، مما جعلها تكثف عمليات الاغتيال لكوادر الحزب، فقتلت على مدى خمسة عشر شهرا أكثر من خمسمئة عنصر ودمرت مئات المنازل والمؤسسات ومنعت أهالي بلدات الحافة الأمامية من العودة إليها.

وليس خافيا أن هذا الوضع استفز بيئة الحزب وشكّل تحديا لوعيها، ففسرت صمته على أنه "عجز واستسلام" أكثر مما يندرج في إطار "الصبر الإستراتيجي".
وبناء على كل تلك الوقائع، بدا واضحا أن الحزب استشعر حجم الاستياء من واقع الحال المستجد، خصوصا أن الإسرائيلي لم يكفّ عن ممارسة أفعال تنطوي على تحدّ واستفزاز من خلال خروق نوعية مدروسة وشبه يومية، وتسريب صور وأفلام ومعلومات عن عمليات نسف ضخمة للبيوت والمجمعات السكنية.

وقد تعمد أن يقرن فعله الميداني بكلام مفاده أنه اعتمد تطبيق خطة "الخط الأصفر" مقدمة لمنطقة عازلة على طول الحدود مع لبنان بعمق يصل إلى 8 كيلومترات، تضم ما لا يقل عن 55 بلدة، على أن تكون خالية من أيّ حياة أو سكان، مما يعني أن هناك أكثر من مئتي ألف مواطن مهددون بالبقاء مهجرين ونازحين وممنوع عليهم العودة إلى ديارهم.
ونفذت إسرائيل طوال الفترة التي انقضت على سريان اتفاق وقف النار الأخير، خطة عملانية غايتها نسف رواية الحزب عن انتصار سجله مقاتلوه طوال أكثر من 40 يوما وهم يواجهون التقدم الإسرائيلي.

واللافت في هذا السياق أن البروباغندا الإسرائيلية نجحت إلى حد بعيد في ترسيخ اقتناع مفاده أنها باتت تحتل ما لا يقل عن 55 بلدة حدودية، علما أن ثمة شكوكا تضعف هذه السردية، والحزب محرج أساس في الحديث عن الموضوع برمته وتقديم رواية مضادة لأسباب متعددة.

ومن البديهي أيضا أن ثمة من يضيف أسبابا أخرى تدفع الحزب إلى إطلاق تهديده بالتحلل من موجبات اتفاق وقف النار، وأبرزها بطبيعة الحال انعقاد جلسة المفاوضات المباشرة الثانية بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، والتي عارضها الحزب ويرفض التزام نتائجها ومخرجاتها، إضافة إلى ارتفاع منسوب التوتر بين إيران والولايات المتحدة والكباش الحاصل بينهما.

وعليه، فإن السؤال المطروح: هل ذلك مؤشر لعودة الأمور على الحدود إلى ما كانت عليه قبل 2 آذار الماضي؟
في المعلن، يؤكد الحزب على لسان رموزه استعداده لكل الاحتمالات بما فيها الأسوا، وقد ترك الباب مفتوحا أمام هذا الاحتمال عندما طلب من جمهوره التمهل في العودة إلى بيوتهم، لكنه في المقابل ما زال يعتمد ضمنا على فرضية أن من دفع إلى إنجاز اتفاق وقف النار وأجبر إسرائيل على التزام مندرجاته ما زال هو نفسه من يضمن الحيلولة دون انهياره كليا في المرحلة الراهنة على الأقل.

المصدر: النهار

الكاتب: ابراهيم بيرم