المُورّدون يُطالبون وزير الداخليّة بالتدخّل لإيجاد حلٍّ سريع، ولا سيّما عبر العودة إلى آليّة الدّفع بنظام السلفات بدلًا من التحويلات المتأخّرة، بما يضمن استمراريّة التوريد، ويحذّرون من أنّ الوضع لم يَعُد يحتمل التأجيل.
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
في لبنان، لم يَعُد الحديث عن الانهيار حكرًا على الأرقام الاقتصاديّة أو تعثّر المؤسّسات، بل تجاوز ذلك ليصل إلى أكثر الأماكن حساسيّة: السجون. خلف الجدران، حيث يُفترض أن تكون الدولة مسؤولةً بشكلٍ كاملٍ عن حياة مَن هم تحت سلطتها، يلوح خطرٌ جديدٌ وأكثر قسوة: الجوع. آلاف السجناء باتوا مُهدّدين بنفاد الغذاء خلال أيّام، في ظلّ عجز الحكومة عن تسديد مستحقّات المُورّدين، ما يضع هذا الملفّ في دائرة الخطر الفعليّ لا النظريّ.
المسألة هنا لا تتعلّق فقط بتأخيرٍ ماليٍّ عابرٍ، بل بامتحانٍ مباشرٍ لقدرة الدولة على تأمين الحدّ الأدنى من الحقوق الأساسيّة. فالسّجين، مهما كانت قضيّته، يبقى تحت مسؤوليّة الدولة، وأيّ تقصيرٍ في تأمين غذائه لا يمكن تبريره تحت أيّ ظرف. ومع تفاقم الأزمة، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يُترك آلافُ السجناء لمصيرهم من دون طعام؟ أم أنّ التحرّكَ سيأتي في اللحظة الأخيرة لتفادي أزمةٍ إنسانيّةٍ جديدةٍ تُضاف إلى سجلّ الأزمات المفتوحة في البلاد؟
وفي هذا السياق، يكشف متعهّد تغذية السجون وجيه خواجة أنّ المورّدين لم يتقاضوا مستحقّاتهم منذ نحو خمسة أشهر، على الرغم من التزاماتهم المستمرّة في تأمين المواد الغذائيّة. ويوضح أنّ التعامل في السوق يتمّ نقدًا، ما يفرض على المورّدين دفع كلفة البضائع للتجّار بشكلٍ فوريّ، في وقتٍ لا تُسدّد فيه الدولة مستحقّاتها بانتظام.
ويُشير إلى أنّ هذا الواقع وضعهم أمام ضغطٍ ماليٍّ متزايدٍ، دفعهم إلى حافّة العجز عن الاستمرار، مؤكّدًا أنّهم يواجهون صعوبةً كبيرةً في تحمّل هذا العبء لفترةٍ أطول. وعلى الرغم ممّا يصفه بـ”التمنّيات” من قبل المديريّة العامّة لقوى الأمن الداخلي لمواصلة الإمدادات، يلفت إلى أنّ الاستمرار بات مؤقّتًا، وأنّ تسليم المواد الغذائيّة لن يكون ممكنًا إذا استمرّ التأخير في الدفع، ما يُهدّد بانقطاع التموين في أيّ لحظة.
ويضمّ لبنان 26 سجنًا، بينها سجون مركزيّة كبرى مثل روميّة وطرابلس وزحلة، حيث يُحتجز أكثر من 7 آلاف سجين. وفي ظلّ هذه الأعداد، تبلغ مستحقّات المورّدين للمواد الغذائيّة نحو 2.8 مليون دولار عن خمسة أشهر، أي ما يقارب 560 ألف دولار شهريًّا لتأمين الحدّ الأدنى من الغذاء لهؤلاء السجناء، ما يوازي نحو 6.7 ملايين دولار سنويًّا.
وفي تفصيل الأزمة، يوضح وجيه خواجة أنّ المشكلة لا تكمن في غياب الاعتمادات فقط، بل في آليّة صرف المستحقّات التي تستغرق وقتًا طويلًا داخل وزارة الماليّة، ما أدخل المورّدين في أزمة سيولةٍ خانقةٍ. ويُشير إلى أنّ هذا الواقع دفعهم قسرًا نحو خيار التلويح بالتوقّف، على الرغم من عدم وجود أيّ نيّة لديهم بقطع الإمدادات، إلّا أنّ الاستمرار بات شبه مستحيلٍ في ظلّ عدم تسديد المستحقّات المتراكمة، علمًا أنّ هذه المبالغ مرصودة أساسًا في الموازنة لكنّها لم تُصرَف حتّى الآن.
ويضيف أنّ المورّدين يُطالبون وزير الداخليّة بالتدخّل لإيجاد حلٍّ سريع، ولا سيّما عبر العودة إلى آليّة الدّفع بنظام السلفات بدلًا من التحويلات المتأخّرة، بما يضمن استمراريّة التوريد. ويحذّر من أنّ الوضع لم يَعُد يحتمل التأجيل، إذ إنّ القدرة على تأمين المواد الغذائيّة للسجون لن تتجاوز مهلة ثلاثة أيّام كحدٍّ أقصى، قبل أن تتوقّف الإمدادات بالكامل.
في المُحصّلة، تتحوّل كلفة السجون إلى عبءٍ إضافيٍّ على دولةٍ تُعاني أصلًا من أزماتٍ متراكمة. وبين ضغوط الأزمة الماليّة وواقع الاكتظاظ المُزمن، تبدو المعادلة واضحة: كلّما انخفض عدد السجناء، تراجعت الكلفة. لكنّ السؤال يبقى: هل تتّجه الدولة فعلًا إلى هذا الخيار، أم أنّ الأزمة ستبقى تُدار بمنطق التأجيل حتّى الانفجار؟

