خاص

خاص: كميل معلوف - ٢٤ نيسان: الإبادة الأرمنية في ميزان القانون الدولي



بقلم المحامي كميل حبيب معلوف

في الرابع والعشرين من نيسان، لا نقرأ التاريخ كحكاية بعيدة، بل كملفٍ لا يزال قيد النظر في ضمير العالم، ملفّ المجازر الأرمنية عام ١٩١٥، حيث قُتل وهُجّر ما يقارب المليون ونصف المليون إنسان، في جريمةٍ شكّلت لاحقًا الأساس المفاهيمي والقانوني لما سيُعرف بجريمة الإبادة الجماعية، كما كرّسته اتفاقية الأمم المتحدة لعام ١٩٤٨، لتتحوّل الذاكرة من رواية ألم إلى مطالبة دائمة بالاعتراف والإنصاف.

ومن موقع المحامي، لا تُقرأ هذه القضية في إطار التاريخ فقط، بل ضمن منظومة الجرائم الدولية التي استقرّ الاجتهاد القضائي الدولي على عدم سقوطها بالتقادم، وعلى خطورتها التي تمسّ الإنسانية جمعاء، كما كرّست ذلك مبادئ المحاكم الدولية، من نورمبرغ إلى الاجتهادات اللاحقة في القضاء الدولي، حيث بات واضحًا أن حماية الجماعات من الإبادة ليست شأنًا داخليًا، بل التزامًا دوليًا يتقدّم على كل اعتبار.

وانطلاقًا من هذه المبادئ، لم تبقَ الذاكرة الأرمنية مجرّد سردية، بل تحوّلت إلى مسار قانوني متعدّد المستويات، شهد دعاوى أمام محاكم وطنية في أوروبا والولايات المتحدة، طالبت بالتعويض واستعادة الحقوق والممتلكات، كما طالت المواجهة القانونية أفعال إنكار الإبادة في الأنظمة التي تجرّم ذلك، في تأكيد على أن الصراع لم يعد على الماضي، بل على توصيفه القانوني وآثاره المستمرة.

وفي موازاة ذلك، يبرز في الفقه القانوني الحديث نقاش متجدّد حول مسؤوليات الدول التاريخية، وإمكانية طرح هذه القضايا أمام هيئات قضائية دولية، سواء في إطار محكمة العدل الدولية أو عبر آليات دولية أخرى، خاصة في ظل تطوّر مفاهيم العدالة الانتقالية، التي لا تكتفي بإدانة الماضي، بل تسعى إلى معالجته قانونيًا بما يحفظ حقوق الضحايا وكرامتهم.

أما في لبنان، فلا تُختصر هذه القضية بالتضامن، بل تتجسّد في شراكة حقيقية، حيث احتضن هذا الوطن الأرمن، فصاروا جزءًا من نسيجه الدستوري والاجتماعي، يساهمون في بناء الدولة ومؤسساتها، حتى غدت بيروت مساحة حيّة لذاكرة لا تُنكر، وعدالة تُمارَس في الحياة اليومية قبل النصوص.

وهنا، لا يكون إحياء الذكرى مجرد وفاء، بل موقف قانوني وأخلاقي متكامل، يؤكد أن الجرائم ضد الإنسانية لا تُغلق ملفاتها بمرور الزمن، وأن المحامي، حين يتناول هذه القضايا، لا يدافع عن تاريخٍ فحسب، بل عن مبدأ عالمي: أن العدالة، وإن تأخرت، تبقى واجبًا لا يسقط.

ومن بيروت إلى يريفان، يمتد خيط الذاكرة كجسرٍ من الحقيقة، يربط الماضي بالحاضر، ويضع على عاتقنا مسؤولية الاستمرار في المطالبة، لأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها لا تُهزم، ولأن القانون، حين يُحترم، يصبح حصنًا للإنسانية لا مجرّد نص.

"الذاكرة ليست عبئًا… بل دليل إثبات، والعدالة ليست خيارًا… بل التزام."