خاص

خاص: فايز مشموشي - هدنة تحت الضغط: لبنان بين فرض الوقائع وتعقيدات الداخل



بقلم العميد المتقاعد فايز مشموشي

في لحظة إقليمية دقيقة،بين الصراع الاميركي الإيراني،  يتقدّم ملف وقف إطلاق النار في لبنان بوصفه أكثر من إجراء أمني مؤقت مرتبط بالصراع، ليصبح مدخلاً لإعادة صياغة التوازنات السياسية الداخلية اللبنانية مع فصل المسار التفاوضي عن ايران. غير أن هذا المسار لا يجري ضمن مفاوضات متكافئة، بل تحت ضغط مباشر تقوده الولايات المتحدة، مع انخراط واضح من دونالد ترامب، بنقله اللقاء بين السفراء منً الخارجية  إلى البيت الابيض بما يعكس انتقالاً من الوساطة إلى محاولة فرض وقائع سياسية جديدة، تتقاطع مع رؤية نتانياهو الممتعض من وقف إطلاق النار.

الاجتماع في البيت الأبيض يتجاوز رمزيته الدبلوماسية، ليحمل دلالات سياسية عميقة. فهو يشير إلى إدارة الملف اللبناني بشكل مباشر ومنفرد، وتسريع تحقيق نتائج ملموسة لها أبعادها الأمنية والاقتصادية بما يخدم مصالحها ،حتى ولو جاء ذلك على حساب التعقيدات الداخلية اللبنانية أو التوازنات العربية. في هذا الإطار، يتحوّل وقف إطلاق النار إلى أداة ضغط تتوج في مفاوضات، لا إلى خطوة أولى ضمن مسار حل شامل.

لكن ما يلفت في المقاربة الأميركية هو طابعها الانتقائي. فبينما يتم التشديد على نزع سلاح حزب الله وإعادة ترتيب الواقع الأمني، تقتصر الضغوط على إسرائيل عند حدود الالتزام الشكلي بالقانون الدولي، أي تجنّب استهداف المدنيين والصحافيين. هذا الطرح، رغم أهميته، يكشف في الوقت نفسه عن هشاشة واضحة، إذ يتجاهل البعد الأوسع لما يجري على الأرض، من تدمير ممنهج للقرى، وحرق الأراضي، وتغيير المعالم الجغرافية، وهي ممارسات لا تقل خطورة عن الاستهداف المباشر، بل تؤسس لواقع احتلالي طويل الأمد يصعب معالجته.

هذا التباين في المعايير يعزّز الانطباع بأن الهدف ليس تسوية عادلة، بل إدارة الصراع ضمن سقوف محددة تخدم الأمن الإسرائيلي أولاً، وتؤجل معالجة جذور الأزمة وتمنح ترامب انتصار سياسي يترجمه ضمن إنجازاته. ومن هنا، يصبح وقف إطلاق النار بين اسرائيل وحزب الله واقعيا - و بين اسرائيل ولبنان دبلوماسيا - جزءاً من مسار أكبر يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع اللبناني، لا فقط تهدئته.

داخلياً، يتقاطع هذا الضغط مع انقسام حاد حول دور سلاح حزب الله وارتباطه بالحرس الثوري والقرار الإيراني . فبين من يرى فيه عنصر قوة وردع، ومن يعتبره عقبة أمام قيام الدولة، يتكرّس شرخ عميق يضعف قدرة لبنان على التفاوض من موقع موحّد. هذا الانقسام لا يهدد فقط فعالية أي مسار تفاوضي، بل يفتح الباب أمام استغلال خارجي له، بما يعيد لبنان إلى موقع الساحة لا الدولة.

في هذا السياق، تعود إلى الواجهة هواجس إعادة إنتاج تجارب سابقة، وعلى رأسها اتفاق أيار عام ١٩٨٣ الذي فُرض تحت ضغط خارجي ولم يصمد أمام الرفض الداخلي. ورغم اختلاف الظروف، فإن المقاربة الحالية، القائمة على تسريع التفاهمات الأمنية تحت الضغوط الاميركية دون غطاء وطني جامع، تطرح مخاطر مشابهة، خصوصاً في ظل هشاشة الداخل اللبناني.

في المقابل، يشكّل اتفاق الطائف مرجعية أساسية لأي تسوية ممكنة، كونه أرسى توازناً دقيقاً بين المكونات اللبنانية، وثبّت مبدأ الشراكة الداخلية برعاية عربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.من هنا، فإن أي مسار يتجاوز هذا الإطار ومحاولة الالتفاف عليه بمحاولة جمع الرئيس اللبناني مع نتانياهو خارج التوافق السعودي اللبناني الداخلي، يهدد بإعادة فتح أزمات بنيوية بدل حلّها.

الحضور  السعودي في هذا السياق لا يقتصر على الدعم السياسي وإرساء تقارب وتوحيد الموقف،بل يمتد إلى كونه ضمانة للتوازن الداخلي، مع ما تمارسه في الوقت الراهن من تقارب داخلي سياسي على مستوى الرئاسات الثلاث والمشاورات السعودية الايرانية ،لمنع انزلاق لبنان نحو تسويات منفردة أو مفروضة. غير أن اندفاعة واشنطن نحو إدارة مباشرة للملف، عبر لقاءات في البيت الأبيض ومحاولة فرض إيقاع سريع، قد تؤدي إلى تهميش هذا الدور، وإضعاف الإطار العربي الجامع.

 في المحصلة، يقف لبنان الرسمي أمام واقع سياسي دقيق وخطير، يتأرجح بين القبول بالرغبة الأميركية المفروضة وما تحمله من انعكاسات على الداخل، وبين رفضها وتحمل تداعيات القرار السياسي الأميركي. وفي ظل غياب التوافق الداخلي وتهميش المرجعيات الوطنية، وفي مقدّمها اتفاق الطائف والدور العربي، لا سيما السعودي، تتزايد المخاوف من أن تتحول أي تسوية محتملة إلى اتفاق هش، سرعان ما يصبح عرضة للاهتزاز وربما الانهيار.