نعم، يحتاج المرء شهورًا ليفهم سلوك رئيس الجمهوريّة جوزف عون، ويحتاج لسنوات للحكم سياسيًّا على تجربته.
قبل عام، أطلّ بقسمٍ اعتُبر حينها وعدًا بقصم ظهر اللاشرعيّة والسلاح المتفلّت، لكن صاحب القسم اختار البراغماتيّة الأقرب إلى مفهوم “الصلح” بما تحمله الكلمة من معانٍ تاريخيّة.
هذا الخيار أبعده عن نهج رئيس الحكومة نواف سلام، وفتح المجال أمام الرئاسة الثانية لتتسلّل بهدوء على خط بعبدا وحارة حريك من اجل تطويق الاشكالات الدورية التي شابت علاقة الحزب بعون منذ انتخابه رئيسا للبلاد مطلع العام الماضي.
الرئيس والحُكم
حاول جوزف عون طيلة المرحلة الماضية أن يعمل كسياسيّ قبل أن يكون رأس هرم دولة منهكة بفعل الفساد و”حروب الآخرين” على أرضها.
كان يردّد أمام زوّاره عبارة: “القرار اتُّخذ”، كخطوة دفاعيّة في مواجهة الانتقادات الداخليّة والخارجيّة المتعلّقة ببطء تنفيذ قرار حصر السلاح شمال وجنوب نهر الليطاني.
إلّا أنّه لم ينجح بالكامل في ممارسة عمله السياسي، كون موقع رئيس الجمهوريّة يفرض عليه دور الحكم، لا دور المرسل للرسائل السياسيّة، لا إلى طرف سيادي ينتقده، ولا إلى طرف مسلّح يهاجمه عند كلّ استحقاق.
حرب اذار 2026..وبدء المواجهة مع الحزب
حرب اذار الماضي التي بدأت بقصف ستة صواريخ من قبل الحزب على المستوطنات الاسرائيلية انهت فيها هدنة عام ونصف، بدت وكأنّها موجّهة ضدّ الرئيس عون، الذي اصبح معنيا بردم الفجوة بين القول والفعل.
وبمعزل عن الأسباب والمحرضين، وبمعزل عن الصدام السيادي الدستوري بين الرئاسة الثالثة وحزب الله وسلاحه غير الشرعي، برزت القرارات الجذريّة التي غيّرت المشهد اللبناني، من إعلان حصر السلاح في بيروت، إلى تصنيف حزب الله منظمة خارجة عن القانون، وصولًا إلى طرد السفير الإيراني. العرب وشعوب الشرق الأوسط
غير أنّ ردّ عون أمس الاثنين على الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم رسم خطًّا لبنانيًا فاصلًا بين حزب السلاح ولبنان الدولة ضمن حدوده الـ10452 كلم². أدلة سفر وقصص الرحلات
بين التهديدات واستعادة التجربة
بعد التهديدات المبطّنة التي لوّحت بمصير شبيه بمصير الرئيس المصري أنور السادات اي الاغتيال، ومع الاتهامات بالتخوين والقول ان المفاوضات الجارية في واشنطن مذلة كما اعلن الشيخ نعيم قاسم، اجاب عون:
“لن أسمح باتفاق مذل، راقبوا المفاوضات ونتائجها واحكموا لاحقًا.”
بهذا الموقف، أعاد كرة الاتهام بالخيانة إلى الجهة التي “جرّت لبنان إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل”، وبدأ يتقدّم نحو خطاب الدولة بروح قياديّة عسكريّة، داعمًا توجّه رئيس الحكومة نوّاف سلام والإرادة الدوليّة الداعية إلى تثبيت الاستقرار.
منطق الدولة أم رواية الانتصار؟
من يرى في الجنوب انتصارًا، فليتأمّل ما حلّ ببنت جبيل والخيام وكفركلا والقنطرة والطيبة وصور. سياسة لبنان
هذه الحرب لم تكن نهاية الطريق، بل الطوق الذي دفع لبنان نحو التفاوض.
التفاوض كخيار إنقاذ.
تفاوض يريده جوزف عون لتجنيب البلاد مزيدًا من الخراب.
علّه ينجح.
علّه يبقى سيّدًا للقصر الجمهوري بما يعنيه ذلك من الحفاظ على وحدة لبنان وأمنه وانقاذه من الحروب العبثية.
حتى لو اقتضى الامر التخلّي عن البراغماتيّة عندما تصبح مصلحة الدولة أعلى من حسابات التسويات
المصدر :جنوبيه
