خاص

خاص: كميل معلوف - الجرائم الرقمية في لبنان بين قصور التشريع وتحديات الحرب الراهنة: قراءة قانونية في ضوء التطورات الحديثة



بقلم المحامي كميل حبيب معلوف

يشهد لبنان منذ عام ٢٠٢٠ تصاعداً خطيراً وغير مسبوق في الجرائم الرقمية، حيث لم تعد تقتصر على حالات معزولة بل أصبحت واقعاً يومياً يتمثّل في قرصنة الحسابات المصرفية، وانتحال الهوية، والتطبيقات الاستثمارية الوهمية التي تستهدف المواطنين في ظل الانهيار الحاد في العملة الوطنية، الأمر الذي دفع العديد منهم إلى اللجوء نحو الأصول الرقمية كوسيلة للتحوّط، ما أدخلهم في بيئة قانونية رمادية لا تزال تفتقر إلى الحماية الكافية.

فرغم صدور قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم ٨١/٢٠١٨ وما تضمّنه من تنظيم للتوقيع الإلكتروني وبعض الجرائم المعلوماتية، إلا أنّه لم يعد قادراً على مواكبة التعقيدات المرتبطة بالعملات المشفّرة وتقنيات البلوك تشين، حيث يواجه القضاء اللبناني إشكالية جوهرية في إثبات القصد الجرمي في جرائم سرقة الأصول الرقمية مثل USDT، نتيجة غياب الوسائل التقنية المتقدمة لتحليل سلاسل الكتل، وهو ما انعكس في توجهات قضائية حديثة شدّدت على ضرورة توافر أدوات رقمية متخصصة لإثبات النية الجرمية.

ولا يمكن إغفال دور قانون العقوبات اللبناني كنص عام يُلجأ إليه عند غياب نص خاص، إذ يمكن تكييف بعض الأفعال الرقمية ضمن جرائم الاحتيال أو إساءة الأمانة، إلا أنّ هذه المقاربة تبقى محدودة، نظراً لكون هذه النصوص وُضعت لجرائم تقليدية ذات طابع مادي، ما يجعل إسقاطها على الجرائم الرقمية، ولا سيما تلك القائمة على البلوك تشين، إسقاطاً ناقصاً من حيث الإثبات والتوصيف القانوني.

وفي موازاة ذلك، اتجهت بعض الأحكام إلى تحميل المصارف مسؤولية الإخلال بواجبات الأمان المعلوماتي استناداً إلى مبدأ مسؤولية المدين عن سلامة التنفيذ، إلا أنّ هذا التوجه يبقى غير كافٍ في ظل قصور الإمكانات، إذ يعاني مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية من ضعف في الموارد التقنية والبشرية، ما يؤدي إلى بطء التحقيقات وصعوبة ملاحقة الجرائم ذات الطابع العابر للحدود واسترداد الأموال المنهوبة.

وعند المقارنة مع الأنظمة القانونية الأخرى، يتبيّن حجم الفجوة، حيث جرّم القانون الفرنسي الدخول غير المشروع إلى الأنظمة المعلوماتية، ووسّع القانون المصري رقم ١٧٥/٢٠١٨ نطاق التجريم ليشمل العملات الرقمية، فيما أرسى قانون Fraud Act 2006 البريطاني مسؤولية مشددة على المؤسسات المالية في حال تقصيرها في حماية بيانات العملاء، وعلى الصعيد الدولي كرّست اتفاقية بودابست لعام ٢٠٠١ مبدأ التعاون القضائي العابر للحدود في ملاحقة الجرائم الرقمية، إلا أنّ لبنان لا يزال خارج هذا الإطار، ما يحدّ من فعاليته في التعقّب والملاحقة.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إصلاح تشريعي شامل لا يقتصر على تحديث قانون ٨١/٢٠١٨ ليشمل الأصول الرقمية وتقنيات البلوك تشين، بل يتعداه إلى تعزيز التنسيق بين مصرف لبنان والسلطات القضائية، وتطوير القدرات التقنية للأجهزة المختصة، والانضمام إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
إنّ استمرار الفجوة بين تطوّر الجريمة وتباطؤ التشريع، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد، لا يهدد فقط الأمن المالي، بل يمسّ جوهر العدالة نفسها.

وفي زمن تُسرق فيه الأموال بضغطة زر، يصبح تأخّر القانون في مواكبة هذا الواقع إخلالاً غير مباشر بواجب حماية الحقوق.