يسابق لبنان انهيار الهدنة ويسعى إلى الحفاظ على التفاهمات للسير بالتفاوض، وسط ازدياد الضغط الإسرائيلي العسكري وخروقه التي تدرجها إسرائيل ضمن بنود الورقة الأميركية التي تمنحها حرية التحرك وضرب أهداف لـ"حزب الله". وقد كان لافتاً حجم الغارات الإسرائيلية جنوب لبنان والعمليات التي نفذها الحزب وفق بياناته، إذ اشتعلت الجبهة مع انسداد التفاوض في إسلام آباد بما أثار مخاوف من انزلاق الأمور نحو تجدد الحرب على جبهة لبنان.
تمديد الهدنة الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفترض أن يدخل وقف النار الأحد مرحلته الثانية، إذ سارعت الدولة اللبنانية إلى إجراء اتصالات بالأميركيين لوقف التصعيد الإسرائيلي الذي يضر بالتفاوض، ويضع عوائق أمام قدرة لبنان على رفع مستوى تمثيله، ويصر على الرعاية الأميركية للتفاوض، ويعمل عبر رئاستي الجمهورية والحكومة لتأمين مظلة عربية وأوروبية داعمة لموقفه ومطالبه، والتي ظهرت بوادرها مع التحرك السعودي الأخير للأمير يزيد بن فرحان في الداخل اللبناني والاتصالات التي أجرتها المملكة لوقف النار، وكذلك الموقف الفرنسي والأوروبي المؤيد للدولة، إذ يريد لبنان التزاماً جدياً لوقف النار بحيث يتمكن من معالجة ملفاته العالقة، ويراهن في هذا الصدد على الضغط الأميركي والحصول على ضمانات من الأميركيين بما يبرر قرار الدولة التفاوض مع إسرائيل.
وتشير المعلومات إلى أن لبنان تلقى إشارات إيجابية من واشنطن لتثبيت وقف النار للأسابيع الثلاثة المقبلة، من دون أن يعني أنها ستضغط على إسرائيل لوقف عملياتها جنوباً، وهي تريد مع بدء التفاوض أن تلمس من لبنان توجهات للذهاب بعيداً في المفاوضات، إذ إن ترامب يريد لقاء بين نتنياهو وعون، وإن كان الأمر ليس وارداً لدى الرئيس اللبناني لاعتبارات داخلية وعربية، وهو مستبعد وفق مصادر ديبلوماسية، ما دامت إسرائيل لم تنفذ أي شيء يسهّل التفاوض.
والأمر هنا يتعلق بما يمكن أن يفعله الأميركيون الذين يريدون فصلاً نهائياً بين إيران ولبنان، وهذا ما يعطي لبنان الدولة ورقة للتفاوض باسمها، باعتبار أن استمرار ربط لبنان كساحة بالملف الإيراني، يهمش البلد وأيّ إمكان لاستعادة السيادة، ولأن إيران لا تتعامل مع لبنان بوصفه دولة، وما يهمها في الدرجة الأولى حليفها أو وكيلها "حزب الله" الذي يرفض المفاوضات ويضغط على الدولة مراهناً على أن يستمر الملف اللبناني ضمن الأجندة الإيرانية، إذ يسعى إلى إعادة بناء قدرته لوضع قواعد جديدة باستمرار عملياته ضد إسرائيل، علماً أن الخطر يكمن في تحول المنطقة إلى خط تماس يعيد المشهد إلى ما قبل عام 2000.
الترقب سيكون سيد الموقف خلال الأيام المقبلة لاختبار ما إذا كان تمديد الهدنة ثابتاً أو أن الوضع سينفجر مع تصعيد إسرائيلي واسع، فإذا ذهب الوضع نحو التصعيد سنكون أمام مرحلة صعبة وخطيرة تهدد البلد كله، أما إذا ضغط الأميركيون، وهو المرجح أكثر وفق المصادر الديبلوماسية لاستمرار الفصل بين الجبهتين، فستكون عندئذ المفاوضات مثقلة بالشروط القاسية جداً أمام التغوّل الإسرائيلي لفرض منطقة عازلة والضغط على الجيش اللبناني لتفكيك بنية "حزب الله" وسحب سلاحه.
الضغط على لبنان سيستمر في المرحلة المقبلة وخلال التفاوض، ما دامت إسرائيل تخيّره بين نموذج غزة وفق الخط الأصفر وأن يوقّع اتفاق سلام. لكن الدولة ترفض أن تحصر بين هذين الخيارين، أقله وفق الاتصالات الداخلية المدعومة عربياً، للتوصل إلى تفاهمات تقوي الموقف اللبناني في التفاوض، مع الموقف العربي المدعوم أوروبياً لعدم استفراد لبنان وإخراجه من مبادرة السلام العربية. ولذا يبدو لبنان أقرب في المفاوضات للعودة إلى اتفاق الهدنة مع تعديلات والتوصل إلى اتفاق ترتيبات أمنية مع إسرائيل برعاية أميركية مع إنجاز ملف حصر السلاح.
المصدر: النهار
الكاتب: ابراهيم حيدر

