خلال يومين متتاليين وجّهت دولة الإمارات العربية المتحدة رسالتها بوضوح: لن يبقى الحال على ما هو عليه، لا سياسياً ولا اقتصادياً، لكنها "لا تنظر حالياً في أي انسحابات من منظمات متعددة الأطراف"، وفق مسؤول إماراتي.
لم يكن الإعلان عن قمة تشاورية طارئة لدول مجلس التعاون الخليجي في جدة الثلاثاء قد تمّ، حين تحدث الدكتور أنور قرقاش، المستشار الديبلوماسي لرئيس الإمارات، بأكثر العبارات وضوحاً في انتقاد "ضعف" موقف مجلس التعاون حيال إيران، بعد نحو شهرين من بدء استهدافها لدول خليجية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في سياق الحرب بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل.
"للأسف موقف مجلس التعاون كان الأضعف تاريخياً، بحساب طبيعة الهجوم وطبيعة التهديد الذي ينال الكلّ"، قال قرقاش يوم الاثنين في إحدى جلسات "ملتقى المؤثرين" الخليجيين، المنصة الحوارية التي نظّمها في دبي المكتب الإعلامي لحكومة الإمارات. وأضاف: "أتوقع مثل هذا الموقف الضعيف من الجامعة العربية ولا أستغربه، لكنني لا أتوقعه من مجلس التعاون وأستغربه".
كانت هذه العبارات مؤشراً واضحاً إلى أن الاستياء الإماراتي الذي تمّ التعبير عنه مراراً منذ الأيام الأولى للحرب واستهداف الإمارات بالنسبة الأكبر من الهجمات الإيرانية، لن يبقى في دائرة المواقف الغاضبة، بل ينحو في اتجاهات أكثر جذرية ترسم سياسة إماراتية جديدة وذات خصوصية على أكثر من صعيد. كتب سياسية
ويقول المسؤول الإماراتي الذي تحدث دون كشف هويته إن بلاده "تدرك تماماً تعقيدات الديناميكيات القائمة، وتركّز على تعزيز صمودها وصمود شركائها وأصدقائها"، وهو الأمر الذي ينعكس في التوجهات الجديدة.
قمة جدة التشاورية "خطوة في الاتجاه الصحيح"
لم يطل الأمر قبل أن يُعلَن عن استضافة جدة لقمة خليجية تشاورية طارئة، مثّل فيها نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد بلاده، وترأسها وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. والخبر الذي سبق الوزير الإماراتي إلى القمة كان انسحاب الإمارات من منظمة "أوبك" و"أوبك+"، في إعلان استحوذ على اهتمام عالمي على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية، لما يعنيه من حسم إماراتي صارم للخيارات المستقبلية، وخصوصاً في القضايا التي تمسّ مصالح البلاد ومواطنيها، تحديداً على مستوى الاستقرار الأمني والمعيشي.
ويضيف المسؤول الإماراتي تعليقاً على قمة جدة إن "الجلسة الاستثنائية خطوة أولى جيدة في الاتجاه الصحيح. ولا يزال هناك الكثير مما ينبغي القيام به في ظل بيئة هشة ومضطربة".
وأكد القادة الخليجيّون في جدة على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها، فردياً أو جماعياً، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي اتخاذ كافة الإجراءات لحماية سيادتها وأمنها واستقرارها، وعلى التضامن الكامل بين الدول الأعضاء، وأن أمن دوله كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو يعد اعتداءً مباشراً على كل دوله، وفق ما نصت عليه اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
هل تنسحب الإمارات من منظمات متعددة الأطراف؟
وأكد الشيخ عبدالله بن زايد في كلمته أن "المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات التنسيق والتكامل لمواجهة التحديات الإقليمية، والتصدي لكافة أشكال التطرف والإرهاب، بما يسهم في صون أمن واستقرار دولنا وشعوبنا".
وشدد على أن "أمن دول مجلس التعاون الخليجي كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي تهديد يمس سيادة أي دولة عضو يعد مساساً مباشراً بأمن المنظومة الخليجية بأكملها".
وأكد وزير الخارجية الإماراتي التزام بلاده الراسخ "بدعم مسيرة مجلس التعاون الخليجي، وتعزيز دوره المحوري في ترسيخ الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة".
وأثارت المواقف الإماراتية الناقدة لأداء مجلس التعاون ثم الانسحاب من "أوبك" و"أوبك+" تكهنات عمّا إذا كانت الإمارات تعتزم المضي نحو مزيد من القرارات المفصلية، ومنها الانسحاب حتى من مجلس التعاون الخليجي. لكنّ المسؤول الإماراتي الذي تحدث دون كشف هويته أكّد أنه "في الوقت الراهن لا تنظر الإمارات في أي انسحابات"، لكنها في ما يتعلق بالمنظمات متعددة الأطراف "تعيد تقييم مدى ملاءمة وجدوى دورها ومساهمتها على مختلف المستويات".
ودفع تركيز إيران هجماتها على دولة الإمارات كثيراً من السياسيين والباحثين والمحللين الإماراتيين إلى الحديث عن ضرورة تغيير تصنيف الأعداء والأصدقاء، وهو ما أشار إليه قرقاش خلال حديثه في ندوة المؤثرين عن انتصار "الموقف الذي يرى في إيران دولة عدوان وليس دولة جارة يمكن احتواؤها"، مؤكداً أن "سياسات الاحتواء فشلت فشلاً ذريعاً، ونحن اليوم أمام مراجعة مهمة
