خاص

خاص: فايز مشموشي - أزمة القرار في لبنان: بين ضغط الخارج وعجز الداخل.



بقلم العميد المتقاعد فايز مشموشي.

لم يعد لبنان يقف على حافة التسويات، بل بات في قلبها، من دون أن يمتلك أدوات التأثير فيها. فالتطورات الإقليمية المتسارعة، ولا سيما إعادة فتح باب لقنوات التفاوض بين واشنطن وطهران، تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة، وتضع الساحة اللبنانية مجددًا ضمن دائرة الاستخدام السياسي، لا الشراكة السيادية.

التحول في المقاربة الأميركية، عبر إعطاء الأولوية للملف النووي، لا يعكس تراجعًا في الأهداف الاستراتيجية، بقدر ما يعبّر عن إدارة للصراع أكثر منه سعيًا لحسمه. تسعى واشنطن إلى تثبيت معادلة “الاحتواء”، فيما تعمل طهران على تكريس موقعها الإقليمي مقابل تنازلات مرحلية قد تشمل الملف النووي. وضمن هذا الإطار، تتحول الساحات المرتبطة بها، ومنها لبنان، إلى أوراق ضغط في التفاوض، لا ملفات مستقلة تُعالج بذاتها.

في المقابل، تتحرك السعودية بواقعية سياسية، ساعية إلى تثبيت توازن إقليمي يمنع الانفجار الشامل ويحدّ من تفرد أي طرف. ويعكس هذا التموضع إدراكًا بأن المرحلة المقبلة لن تُحسم باتفاق ثنائي، بل عبر تسويات متداخلة تفرض على مختلف القوى إعادة حساباتها.

وسط هذه المعادلات، يواجه لبنان أزمة داخلية عميقة تتجاوز البعد الاقتصادي إلى خلل بنيوي في القرار السياسي. فاستمرار ازدواجية السلطة بين الدولة والقوى المسلحة، وعلى رأسها حزب الله، يضعف موقع الدولة ويقوّض قدرتها على فرض رؤية موحدة. وقد زادت التطورات الأخيرة من هذا الضعف، من خلال اللقاء الاميركي بين السفراء التي لم تُترجم نتائجه ميدانيًا بل استمرار التصعيد الإسرائيلي التوسعي في الجنوب خارج إطار الالتزامات المفترضة، ما أفقد الثقة بأي مبادرة أو لقاء مطروح.

كما يتأكد، مع كل تطور خارجي، أن القرار اللبناني لا يُصنع في الداخل بقدر ما يتأثر بما يجري خارجه. يتجلى ذلك في تداخل الرسائل الإقليمية والدولية، سواء عبر إتصال وزير الخارجية الإيراني بالرئيس بري وتأكيده على إدراج لبنان ضمن سياق التفاوض الإيراني ، أو من خلال خطاب السفارة الأميركي التحذيري المباشر الذي يتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية، ما يعكس حجم الضغط المفروض على الدولة اللبنانية وعدم استقلاليتها بقرارها .

داخليًا، يزداد المشهد تعقيدًا مع احتدام الانقسام السياسي. فهناك من يدفع نحو التهدئة والتجاوب مع الضغوط الدولية تحت عنوان الحفاظ على الاستقرار، مقابل من يرفض أي تنازل ويرى فيه مساسًا بالتوازنات الداخلية وبموقعه السياسي. وبين هذين الاتجاهين، تتعطل المؤسسات ويتراجع دور الدولة إلى إدارة الأزمات بدل معالجتها.

ينعكس هذا الانقسام بوضوح على مقاربة العلاقة مع إسرائيل، سواء في ملف الحدود أو أي مسار تفاوضي محتمل. فغياب موقف وطني موحد يحوّل كل استحقاق سيادي إلى ساحة خلاف داخلي، لا سيما في ظل استمرار التوترات الميدانية وعدم الالتزام بترتيبات وقف إطلاق النار، ان كان من الجانب الاسرائيلي او من جانب حزب الله، ما يضع القرار الرسمي في موقع حرج أمام المجتمع الدولي.

أمام هذا الواقع، يضيق هامش الخيارات أمام لبنان: إما الاستمرار في حالة “اللاحل” مع ضبط أمني هش، أو التأثر بتسوية إقليمية تفرض إعادة ترتيب داخلية، أو الانزلاق إلى تصعيد يرتبط بتطورات الخارج. وفي جميع هذه السيناريوهات، يبقى العامل الداخلي محدود التأثير.

في الخلاصة ، لا تكمن مصلحة لبنان في الاصطفاف الحاد، ولا في الرهان الكامل على الخارج، بل في الحد الأدنى من التوافق الداخلي الذي يعيد تفعيل مؤسسات الدولة ويمنحها القدرة على إدارة المرحلة. من دون ذلك، سيبقى لبنان ساحة مفتوحة للتجاذبات، يتأثر بكل تحول إقليمي، من دون أن يكون قادرًا على تأمين الحد الأدنى من الاستقرار.