حين ينقسم المركز… يتصدّع الامتداد
في السياسة، لا شيء يبقى محصوراً داخل الحدود. كل اهتزاز في مركز القرار، يُترجم تلقائياً إلى ارتدادات على الأطراف. وهذا تماماً ما نشهده اليوم.
الخلافات والانقسامات داخل النظام الإيراني لم تعد تفصيلاً داخلياً يمكن تجاهله، بل تحوّلت إلى عامل مؤثر يعيد رسم ملامح المشهد الإقليمي بأكمله. صراع التيارات، تضارب المصالح، واختلاف الرؤى حول الأولويات… كل ذلك خلق حالة من الإرباك في صناعة القرار، وأضعف القدرة على تقديم استراتيجية واضحة ومتماسكة.
لكن الأثر لا يتوقف عند حدود إيران.
حزب الله، كأحد أبرز الأذرع المرتبطة بهذا النظام، لم يكن بمنأى عن هذه التداعيات. على العكس، انعكست هذه الانقسامات بشكل مباشر على بنيته الداخلية، وعلى طريقة اتخاذ القرار فيه. فحين يتشوش المركز، يصبح من الطبيعي أن يتشوش الامتداد.
اليوم، نلمس مؤشرات واضحة على تباين في المقاربات داخل الحزب: بين من يدفع نحو التصعيد، ومن يقرأ التحولات بحذر؛ بين من لا يزال متمسكاً بذهنية المواجهة المفتوحة، ومن يدرك أن كلفة الاستمرار بهذا النهج باتت أعلى من قدرة التحمل.
هذا التباين ليس تفصيلاً عابراً، بل هو مؤشر على مرحلة جديدة من إعادة التموضع، قد تكون قسرية، لكنها حتمية.
في لبنان، حيث كل توازن هشّ، لا يمكن فصل هذا الواقع عن المشهد الداخلي. أي خلل في بنية القرار لدى حزب الله، سينعكس مباشرة على الاستقرار السياسي، وعلى طبيعة الاصطفافات، وربما على شكل المرحلة المقبلة بالكامل.
السؤال لم يعد إن كان هناك انقسام… بل إلى أين سيأخذنا هذا الانقسام؟
هل نحن أمام إعادة صياغة لدور الحزب ضمن معادلة لبنانية جديدة؟
أم أمام مزيد من التشدد للهروب من واقع متغيّر؟
أم أن الانقسام سيتحوّل إلى صراع صامت يُدار في الظل، لكنه يفرض نفسه في كل مفصل أساسي؟
ما هو واضح أن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة… مرحلة لا يكفي فيها رفع الشعارات، ولا إدارة الأزمات بالعقلية القديمة.
وحين يبدأ التصدّع من الداخل، لا تعود قوة الخطاب كافية لإخفاء عمق التحوّل.
