صحافة

اعتذار لم يُكتب… من جمهورية الأمين إلى لحظة القرار!



ما تغيّر اليوم هو أنّ العالم لم يعد مستعدًّا لتدوير الزوايا اللبنانية، ولم يعد يقبل بمعادلة دولةٍ تتفاوض وسلاحٍ يقرّر. لذلك، فإنّ أي مسار، سواء سُمّي سلامًا أو ترتيباتٍ أو اتفاقًا، لن يكون ممكنًا إلّا إذا استعاد لبنان وحدته السيادية.


كتب بشارة خير الله لـ"هنا لبنان":

ربما آن الأوان لكتابة اعتذار متأخر، ليس من باب العاطفة، بل من باب إعادة تصويب البوصلة كما فعل وليد جنبلاط قبل أيام. اعتذار لجمهوريةٍ رفعت شعارًا سبق زمنه. عندما قال رئيسها: “أعطونا السلام وخذوا منّا ما يُدهش العالم”، لم يكن يُساوم على السيادة، بل كان يحاول إنقاذ دولة تتفكّك. كان يدرك أنّ لبنان لا يمكن أن يعيش كجبهةٍ مفتوحةٍ إلى ما لا نهاية، ولا كصندوق بريد لتصفية حسابات الآخرين. لكن صوت “العنيد” غرق يومها تحت ضجيج السلاح، وسُحقت الفكرة قبل أن تُختبر.

اليوم، يعود الشعار نفسه لكن من زاويةٍ مختلفةٍ. لبنان يقف مجدّدًا أمام مفترق مصيري، بين منطق الدولة ومنطق “سلاح الخامنئي”. وفي هذا السياق، تتقدّم محاولة إعادة تثبيت القرار السيادي عبر مسارٍ يقوده رئيسا الجمهورية ومجلس الوزراء، وسط تعقيدات الدّاخل وضغوط الخارج، ومحاولة إعادة الدولة إلى موقعها الطبيعي كمرجعيّة وحيدة.

هذه المحاولة لا تأتي من فراغ، بل تتقاطع مع حراكٍ دوليٍّ واضحٍ، تُجسّده مهمّة السفير ميشال عيسى، المكلّف من قبل الرئيس الاستثنائي دونالد ترامب، والذي يحمل مقاربةً مختلفةً للانتقال من إدارة الأزمة إلى فرض مسار حلّ. الرسالة هذه المرة ليست رماديةً: “لا استقرار بلا سيادة، ولا سيادة مع ازدواجيّة القرار”.

ما تغيّر اليوم هو أنّ العالم لم يعد مستعدًّا لتدوير الزوايا اللبنانية، ولم يعد يقبل بمعادلة دولةٍ تتفاوض وسلاحٍ يقرّر. لذلك، فإنّ أي مسار، سواء سُمّي سلامًا أو ترتيباتٍ أو اتفاقًا، لن يكون ممكنًا إلّا إذا استعاد لبنان وحدته السيادية.

هنا، يصبح الاعتذار للرئيس أمين الجميّل، ومن خلاله للشعب اللبناني، أكثر من مجرّد مراجعة تاريخيّة. إنّه اعتراف بأنّ المشكلة لم تكن يومًا في فكرة السّلام، بل في غياب الدولة القادرة على احتضانه. ما طُرح في الثمانينيّات كخيار إنقاذ، يُطرح اليوم كشرط بقاء.

اللحظة الحالية ليست تفصيلًا، بل اختبارًا حقيقيًّا: هل يتعلّم لبنان من ماضيه، أم يكرّره؟ هل يمتلك الجرأة لالتقاط الفرصة، أم يضيّعها مرة جديدة تحت عناوين كبيرة تُخفي عجزًا داخليًّا؟ الجواب لم يعد يحتمل التأجيل، لأنّ التاريخ، عندما يُعيد نفسه في لبنان، لا يفعل ذلك كفرصةٍ، بل كإنذارٍ أخير.