بقلم د. جوليان صفير
إذا كان اتفاق 17 أيار 1983 قد سقط لأنه وُلد خارج التوازنات الداخلية، فإن السؤال اليوم لم يعد يقتصر على خيار التفاوض بحد ذاته، بل يتجاوز ذلك إلى مسألة أكثر جوهرية: من يملك شرعية اتخاذ القرار، في الحرب كما في التفاوض؟
في السنوات الأخيرة، وجد لبنان نفسه منخرطًا في ما سُمّي «حرب الإسناد» - من دعم غزة إلى الاندراج ضمن حسابات إقليمية أوسع - وذلك من دون إجماع وطني واضح، ومن دون قرار رسمي صادر عن المؤسسات الدستورية. هنا تبرز مفارقة سياسية ودستورية عميقة:
من اتخذ قرار الانخراط في الحرب من دون إجماع، هل يملك اليوم حق الاعتراض على مسار تفاوضي بحجة غياب هذا الإجماع؟
في المنطق السياسي، لا يمكن القبول بازدواجية المعايير. فإذا كان الإجماع شرطًا للتفاوض، أفلم يكن شرطًا للحرب أيضًا؟ هذا التناقض لا يضعف الخطاب السياسي فحسب، بل يُفقده شرعيته الأخلاقية.
بحسب الدستور اللبناني، يتولى رئيس الجمهورية إدارة مسار التفاوض في المعاهدات الدولية بالتنسيق مع الحكومة، على أن تُعرض النتائج لاحقًا على مجلس الوزراء، ثم على مجلس النواب. وبذلك، فإن التفاوض بحد ذاته لا يُلزم الدولة، بل يشكّل مسارًا أوليًا يخضع في نهايته لرقابة المؤسسات الدستورية. وحتى في حال حصول لقاءات مباشرة على أعلى المستويات، فإن ذلك لا يعني بالضرورة إبرام اتفاق، بل قد يندرج في إطار استكشاف الخيارات الممكنة.
في التجربة اللبنانية، لم يكن الإجماع يومًا شرطًا مسبقًا لأي تسوية كبرى، بل غالبًا ما كان نتيجة لمسار سياسي طويل ومعقّد، يتبلور تحت ضغط الوقائع الداخلية والتوازنات الخارجية. ولعلّ أبرز مثال على ذلك هو اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية. فهذا الاتفاق لم يكن نتاج إجماع شعبي لبناني شامل، بل جاء في سياق تسوية إقليمية ودولية فُرضت إلى حدّ كبير على الأطراف اللبنانية، في ظل موازين قوى مختلّة واستنزاف داخلي عميق. ومع ذلك، تحوّل لاحقًا إلى الإطار الدستوري الناظم للحياة السياسية في البلاد.
هذا المثال يبيّن بوضوح أن الإجماع في لبنان غالبًا ما يُبنى بعد التسويات، لا قبلها، وأن اشتراطه مسبقًا قد يؤدي عمليًا إلى شلّ أي مسار سياسي. من هنا، تبدو المطالبة بإجماع قبل التفاوض أقرب إلى أداة تعطيل منها إلى قاعدة دستورية أو سياسية قابلة للتطبيق.
غير أن الأخطر من ذلك هو انزلاق النقاش السياسي نحو التهديد الضمني أو الصريح بالفتنة أو الحرب الأهلية في حال المضي في خيار التفاوض. عند هذه النقطة، لا نكون أمام موقف سياسي مشروع، بل أمام آلية تعطيل قسرية تُخرج النقاش من إطاره الديمقراطي.
فاللجوء إلى التهديد بالفوضى لمنع خيار سياسي، أيًّا كان هذا الخيار، لا يحمي وحدة لبنان، بل يضعها رهينة. لأن منطق الدولة يقوم على إدارة الخلاف داخل المؤسسات، لا على ابتزاز القرار الوطني بشبح الانفجار الداخلي.
بهذا المعنى، يصبح التهديد بالحرب الأهلية هو العائق الحقيقي أمام أي مسار حل:
فهو يقيّد النقاش الحر، ويُضعف دور المؤسسات، ويجعل القرار الوطني خاضعًا لموازين القوة بدلًا من موازين الشرعية.
يبقى السؤال الجوهري:
هل يملك من قرر الانخراط في الحرب من دون إجماع حق مساءلة رئيس الجمهورية إذا قرر فتح مسار تفاوضي؟ المساءلة، بلا شك، حق مشروع. لكنها تفقد معناها عندما تُمارس بانتقائية. فإما أن يُطبّق مبدأ الإجماع على جميع القرارات المصيرية، أو لا يُستخدم كأداة ظرفية لتعطيل مسار بعينه.
اليوم، يقف لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد:
قرار الحرب لم يكن دائمًا بيد الدولة،
وقرار التفاوض يُراد له أن يُقيّد بشروط شبه مستحيلة، وفيما بينهما، يُستدعى شبح الفتنة كوسيلة ردع.
لذلك، لا تكمن المعضلة في مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل في البيئة السياسية التي تحاصره وتمنعه من التبلور. فإذا كان التفاوض سيتم ضمن الأطر الدستورية—بقيادة رئيس الجمهورية، وتحت رقابة مجلس الوزراء، وبموافقة مجلس النواب - فما الذي يمنعه فعليًا؟
ليس الدستور، بل الخوف… وأحيانًا، التهديد.
بين 17 أيار الأمس و17 أيار الغد، قد لا يكون الخطر في تكرار تجربة التفاوض،
بل في الاستمرار أسرى لمن يمنع أي حل - سواء بالحرب… أو بالتهديد بها.
وفي ظل هذه اللحظة المفصلية، لم يعد التردد ترفًا ممكنًا. إن خطورة المرحلة، وضيق الخيارات، وتراكم الأزمات، تفرض الذهاب نحو قرار شجاع والسير به قدمًا، ضمن الأطر الدستورية، وبمسؤولية وطنية كاملة، فالتاريخ لا ينتظر المترددين، ولا يرحم من أضاع الفرص حين كانت متاحة…
