إقتصاد

شبكات ظلّ تموّل "حزب الله" رغم العقوبات الدولية



تتسع خيوط شبكة مالية سرّية عابرة للقارات تمتد من أفريقيا إلى أميركا اللاتينية وصولا إلى أوروبا، ضمن منظومة يُعتقد أنها باتت تشكّل أحد أبرز شرايين تمويل "حزب الله" خارج الإطار الإيراني المباشر، رغم العقوبات الأميركية المتصاعدة ومحاولات التضييق المالي الدولي .

وبينما تكثف وزارة الخزانة الأميركية استهدافها رجال أعمال وشبكات وسيطة وتجميد أصول في أكثر من قارة، تكشف معطيات أمنية وتقارير دولية عن اقتصاد موازٍ متشعّب يعمل خارج الرقابة المصرفية التقليدية، ويقوم على تجارة الماس والذهب والعقارات، مستفيدًا من واجهات مالية معقدة، إلى جانب توسّع متزايد في استخدام العملات الرقمية ضمن بنية مالية يصعب تتبعها أو تفكيكها.

في هذا السياق، تكشف مصادر أميركية مطّلعة ل "نداء الوطن" أن الساحة الأفريقية تتقدّم إلى الواجهة بوصفها إحدى أبرز ركائز التمويل. وتشير المعطيات إلى أن القارة لا تزال تشكّل بيئة نشطة لتحركات مالية مرتبطة بـ "الحزب"، مستفيدة من الامتداد التجاري الواسع للجاليات اللبنانية في أفريقيا، بما يسهّل تمرير وتحريك مبالغ كبيرة تُستخدم في دعم أنشطته.

اقتصاد موازٍ 

تُظهر المعطيات أن هذه الشبكات لا تتحرك على هامش الاقتصاد فحسب، بل تتغلغل في صلب أنشطة غير رسمية واسعة تشمل تجارة الماس والسيارات المستعملة والعقارات، إلى جانب عمليات غسل أموال معقدة .

وتنطلق بعض هذه الأنشطة من أفريقيا، حيث تشير تقارير إلى تداخل مع شبكات مخدرات تمتد إلى أميركا اللاتينية، ما يجعل المنطقة نقطة عبور رئيسية لشحنات المخدرات باتجاه أوروبا. وتُباع هذه الشحنات نقدًا قبل إعادة تدوير أرباحها وتحويلها إلى لبنان عبر مسارات مالية غير تقليدية. 

اختراق أمني يتجاوز الحدود

في تطور وُصف بالخطير، تشير مصادر أميركية إلى أن واشنطن تتابع شبكة يُعتقد أنها استخدمت جوازات سفر لبنانية عبر عناصر من الحرس الثوري الإيراني، ضمن أنشطة غير قانونية بالتنسيق مع لبنانيين مرتبطين بـ "حزب الله" في أفريقيا. وتلفت هذه المعطيات إلى ما ورد في تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام حول استخدام إيرانيين جوازات سفر لبنانية.

بالتوازي، لم يعد النشاط المالي تقليديًا فقط. فبحسب تقارير أميركية بين عامي 2025 و2026، برز تصاعد في استخدام العملات المشفرة المستقرة والأنظمة الرقمية لنقل الأموال عبر الحدود، في محاولة للالتفاف على النظام المصرفي العالمي.

كما يستمر "الحزب" في الاعتماد على مؤسسات مالية موازية مثل "القرض الحسن" لإدارة شبكات تشمل الذهب والعملات الأجنبية، بما يعزز قدرته على العمل خارج النظام المالي الرسمي.

تضييق متصاعد

في المقابل، تتصاعد الضغوط الدولية على "حزب الله". ففي نيسان الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عقوبات واسعة استهدفت شبكات التوريد التابعة لـ "الحزب"، وشملت تجميد أصول رجال أعمال في دول أفريقية.

وتؤكد مصادر دبلوماسية أميركية لصحيفة "نداء الوطن" أن المرحلة المقبلة ستشهد إجراءات أكثر تشددًا تشمل الضغط على مصارف أفريقية وأوروبية، وحظر التعامل مع الكيانات المرتبطة بـ "الحزب"، إلى جانب تنسيق دولي أوسع لسد الثغرات القانونية وملاحقة شبكات التمويل.

أما أوروبا، فتبدو اليوم إحدى أبرز ساحات هذا الصراع المالي. فبحسب تقرير صادر عن مركز التوثيق للإسلام السياسي في نيسان 2026، تحولت القارة إلى بيئة نشطة لشبكات "الحزب" المالية.

ويعتمد هذا النشاط، وفق التقرير، على مسارات تبدأ من تجارة المخدرات في أميركا اللاتينية، خصوصًا الكوكايين القادم من كولومبيا، وتمتد إلى الأسواق الأوروبية، حيث تُحوَّل الأرباح إلى سلع فاخرة مثل السيارات والساعات والأعمال الفنية، قبل إعادة تدويرها عبر شبكات مالية معقدة لإخفاء مصدرها.

وتشير تقديرات التقرير إلى أن ما يصل إلى 30 % من الميزانية السنوية لـ "الحزب" يأتي من عمليات غسل أموال مرتبطة بأوروبا. وتبرز ضمن هذه الشبكات أسماء مدرجة على لوائح العقوبات الأميركية، أبرزها أدهم حسين طباجة، محمد نور الدين، محمد إبراهيم بزي، وناظم سعيد أحمد.

ما يتكشف اليوم لا يقتصر على شبكات مالية متناثرة، بل يشير إلى منظومة عابرة للقارات تُدار بمنطق اقتصاد موازٍ يمزج بين الأنشطة غير المشروعة والتقنيات المالية الحديثة لضمان الاستمرارية.

طارق أبو زينب - نداء الوطن