صحافة

من مفاوِض إلى مُطالِب: كيف أضعف حزب الله موقع لبنان التفاوضي؟



كتب "سعد شعنين" : 

تعتمد إسرائيل، منذ عقود، استراتيجية ثابتة تقوم على منع خصومها من الوصول إلى طاولة التفاوض من موقع الندّية، فهي تسعى دائماً إلى دفع الطرف المقابل للتحول من “مفاوض” يمتلك أوراق قوة وشروطاً سياسية، إلى “مطالب” يبحث عن وقف الحرب وتقليل الخسائر. وهذه الاستراتيجية لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل أيضاً على استغلال التحولات السياسية وربط ساحات المواجهة بحسابات إقليمية أوسع.

في لبنان، ظهر هذا المسار بوضوح منذ حرب نيسان 1996. يومها، سبقت تفاهم نيسان حملة “عناقيد الغضب” التي اعتمدت فيها إسرائيل  سياسة الضغط بالنار والتدمير لدفع لبنان إلى التفاوض تحت وطأة الخسائر والخوف من توسع الحرب. ورغم ذلك، بقي لبنان حينها يستفيد من غطاء عربي ودولي، وكانت الدولة اللبنانية قادرة على التحرك كدولة تسعى لحماية أرضها واستقرارها، لا كطرف منهك بالكامل في معادلة إقليمية.

الأمر اختلف أكثر بعد حرب تموز 2006، فرغم أن حزب الله خرج معلناً “النصر الإلهي”، إلا أن نتائج الحرب السياسية كرّست واقعاً جديداً. فقد جاء القرار 1701 ليعيد رسم قواعد الاشتباك في الجنوب، مع انتشار قوات “اليونيفيل” وتكريس حضور دولي مباشر في إدارة الوضع الميداني. عملياً، دخل لبنان مرحلة باتت فيها أي مواجهة جنوبية محكومة بتوازنات دولية معقدة، ولم تعد شأناً محلياً أو ثنائياً فقط.

لكن التحول الأعمق جاء مع تعاظم دور حزب الله الإقليمي وربطه المتزايد بالمشروع الإيراني، خصوصاً بعد دخوله الحرب السورية وتبني خطاب “وحدة الساحات”. هنا بدأ لبنان يفقد تدريجياً قدرته على الظهور كطرف مستقل بالكامل في أي مسار تفاوضي، إذ أصبحت الجبهة الجنوبية تُقرأ دولياً ضمن سياق المواجهة الأوسع بين إيران وإسرائيل.

وقبل مرحلة حرب الإسناد الأخيرة، كان لبنان الرسمي لا يزال يحاول فرض نفسه كدولة ذات سيادة قادرة على التفاوض عن نفسها، والاحتفاظ بهامش استقلالية في القرار، بعيداً عن تحويله إلى ساحة تابعة لحسابات المحاور. أما مع التصعيد الأخير وربط الجبهة الجنوبية مباشرة بردود الفعل الإقليمية، فقد نجحت إسرائيل في نقل النقاش الدولي من مجرد “احتواء التوتر على الحدود اللبنانية” إلى مقاربة أوسع تتعلق بمستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل.

في هذا السياق، تبرز اليوم معطيات تتحدث عن مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية مباشرة، لا يقتصر على ترتيبات أمنية أو ضبط اشتباك ميداني، بل يُطرح كمدخل محتمل لسلام دائم أو لتسوية شاملة طويلة الأمد. وهنا تحديداً تحاول إسرائيل تثبيت معادلة جديدة: الدخول إلى أي تفاوض من موقع القوة التي صاغتها على الأرض، بحيث يكون النقاش حول شكل التسوية المقبلة، لا حول إعادة إنتاج الوضع السابق.

ولهذا السبب، ترتفع المخاوف من احتمال كبير لقيام إسرائيل بتصعيد عسكري وميداني إضافي قبل أي مفاوضات مرتقبة. فالتجربة الإسرائيلية التقليدية تقوم على رفع مستوى الضغط عشية التفاوض لتحسين الشروط وفرض وقائع جديدة على الأرض. إسرائيل تدرك أن الطرف الذي يدخل إلى الطاولة تحت ضغط الخوف من الحرب والدمار والانهيار الاقتصادي يكون أكثر استعداداً لقبول تسويات لم يكن ليقبل بها في ظروف طبيعية.

هذه هي الفكرة المركزية في الاستراتيجية الإسرائيلية: التصعيد أولاً لتعديل موازين القوة، ثم التفاوض لاحقاً على أساس هذا التعديل. فكلما ارتفع مستوى الضغط والخسائر، تراجع سقف مطالب الخصم، وانتقل تدريجياً من موقع “المفاوض الذي يطرح شروطاً” إلى موقع “الطرف الذي يطلب تسوية توقف الانهيار".

اليوم، ومع اقتراب الحراك التفاوضي في واشنطن، تبدو إسرائيل حريصة على أن تدخل هذه العملية وهي تمتلك تفوقاً ميدانياً وسياسياً واضحاً، فيما يجد لبنان نفسه أمام تحدي استعادة موقعه كدولة قادرة على التفاوض عن نفسها، لا كطرف يدير أزمة مزمنة تحت ضغط النار والتوازنات الإقليمية.