خاص

خاص: فايز مشموشي - لبنان بعد الجولة الثالثة: بين وقف النار المؤقت ومفاوضات إعادة رسم الجنوب.



بقلم العميد المتقاعد فايز مشموشي

دخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية بعد الجولة الثالثة من المفاوضات  المباشرة التي جرت في الولايات المتحدة الأميركية بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية ، في وقت ما تزال فيه المفاوضات الأميركية  الإيرانية تراوح مكانها من دون أي اختراق فعلي مع اجواء من التصعيد العسكري، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تسريع مسارها اللبناني باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

الجولة الثالثة حملت مؤشرات مختلفة عمّا سبقها، إذ تجاوزت إطار البحث التقني المرتبط بوقف إطلاق النار، وانتقلت إلى نقاشات أوسع تتعلق بمستقبل الجنوب اللبناني، ودور الجيش، وآلية ضبط الحدود، إضافة إلى مستقبل سلاح حزب الله ضمن مقاربة سياسية  أمنية تعمل عليها الولايات المتحدة بالتنسيق مع أطراف عربية وأوروبية.

وبحسب المعطيات، أفضت المفاوضات إلى صيغة أولية لوقف إطلاق نار مؤقت لمدة 45 يوماً، يُفترض تثبيته خلال فترة قصيرة، على أن يلتزم به الطرفان: إسرائيل من جهة، وحزب الله من جهة أخرى.

إلا أن هذا الاتفاق لا يزال يوصف بـ”الورقي”، نظراً إلى هشاشة الواقع الميداني وعدم وجود ضمانات حقيقية تمنع انهياره في أي لحظة، خصوصاً في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية و توسعت نطاق عملياتها العدوانية من جهة، واحتفاظ حزب الله بجهوزيته العسكرية واستعماله المسيرات التي أصبحت تقلق اسرائيل من جهة أخرى.

وتدرك إسرائيل، وفق القراءة الأمنية للمفاوضات، أن المواجهة الأخيرة أظهرت تطوراً عسكرياً ملحوظاً لدى حزب الله، سواء من ناحية استخدام المسيّرات أو حجم الخسائر البشرية والعسكرية التي لحقت بالجيش الإسرائيلي، ما ولّد حالة قلق داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ودفع تل أبيب إلى البحث عن تسوية مرحلية تخفف الضغط الأمني والعسكري على الجبهة الشمالية والإبقاء على عملياتها وسيطرتها واحتلالها الجوي العسكري .

في السياق،الولايات المتحدة، التي فشلت حتى الآن في تحقيق اختراق حقيقي في الملف الإيراني، تبدو وكأنها انتقلت إلى محاولة تحقيق إنجاز سياسي في لبنان، باعتباره ساحة أكثر قابلية للضغط وإعادة التموضع.

وفي هذا الإطار، تشير المعلومات إلى وجود مسارين متوازيين تعمل عليهما واشنطن في المفاوضات:
مسار أمني  عسكري يبدأ فعلياً مع جلسات تفاوض تمتد في  أواخر أيار الجاري، ومسار سياسي تفاوضي يتوسع خلال بداية شهر حزيران المقبل، للوصول إلى صيغة أشمل تتعلق بترتيبات الجنوب والعلاقة اللبنانية  الإسرائيلية مستقبلاً.

وتؤكد مصادر متابعة أن الجولة الثالثة كانت “أكثر تقدماً مما كان متوقعاً”، خصوصاً على مستوى النقاشات التي خاضها الوفد اللبناني برئاسة السفير كرم، حيث جرى التطرق إلى ملفات حساسة تتعلق بآلية انتشار الجيش اللبناني جنوباً في حال الانسحاب الإسرائيلي من المناطق  المحتلة، إضافة إلى ضمان أن تكون السيطرة الأمنية والعسكرية بيد الدولة اللبنانية حصراً، ومنع عودة أي وجود عسكري لحزب الله في تلك المناطق.
النقاش لم يقتصر على الوضع الحدودي فقط، بل امتد إلى ملف سلاح حزب الله العسكري ضمن مقاربة تدريجية وغير مباشرة، ترتبط باستراتيجية عربية دولية أوسع لتمكين الدولة من نزع السلاح والسيطرة على الجنوب.

وتشير المعطيات إلى وجود قنوات خلفية موازية للحوار الرسمي، تشارك فيها أطراف إقليمية، بينها المملكة العربية السعودية وإسلام آباد ، ضمن رؤية تهدف إلى الوصول لاحقاً إلى صيغة لمعالجة ملف السلاح بطريقة سياسية تدريجية بالتنسيق مع ايران، تراعي التوازنات اللبنانية والإقليمية.

وفي هذا السياق، لا يُستبعد أن تكون هناك تجارب تفاوضية مشابهة لما حصل سابقاً في ملفات إقليمية أخرى بين الرياض وطهران أو عبر وسطاء دوليين، بما يسمح بإنتاج تسوية طويلة الأمد تخفف من احتمالات الحرب المفتوحة.

كما يدور الحديث ضمن سلة المفاوضات عن الدور الأوروبي الذي تطمح إليه فرنسا، وعن مرحلة ما بعد “اليونيفيل”، في ما يتعلق بمستقبل الجنوب بعد انتهاء مهامها الحالية مع نهاية العام الجاري.

وتبحث الدول الأوروبية، بحسب المعلومات، في إمكانية تشكيل قوة مراقبة أو انتشار أوروبي جديد يضم أربع دول أساسية، تكون مهمته الفصل الميداني وتقوية الجيش ومنع الاحتكاك المباشر بين لبنان وإسرائيل، في حال جرى تثبيت أي اتفاق طويل الأمد.

هذا الطرح يعكس إدراكاً غربياً بأن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة صياغة كاملة للواقع الأمني في الجنوب اللبناني، وربما الانتقال من مرحلة “احتواء التصعيد” إلى مرحلة “إدارة الحدود السياسية والأمنية” بين الطرفين.

في المحصلة، يبدو أن لبنان بات مجدداً في قلب مشروع إعادة ترتيب الشرق الأوسط، في ظل التعثر الأميركي  الإيراني المستمر، ورغبة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تسجيل إنجاز سياسي ودبلوماسي سريع في المنطقة.

فالولايات المتحدة تدرك أن معالجة النفوذ الإيراني المباشر قد تكون معقدة وطويلة الأمد، لذلك تتجه نحو معالجة الأذرع الإقليمية وفي مقدمتها حزب الله، عبر أدوات سياسية وأمنية وضغوط دولية متدرجة، بالتوازي مع محاولات فرض واقع جديد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

ويبقى السؤال الأساسي: هل يتحول لبنان إلى ساحة تسوية إقليمية جديدة، أم إلى مرحلة انتقالية تسبق انفجاراً أكبر في المنطقة.