بقلم جوزاف أمين
من أكثر الأخطاء السياسية والإعلامية شيوعًا في توصيف حزب الله، اعتبارُه مجرد حليف لإيران ضمن محور سياسي إقليمي. هذا التوصيف، رغم انتشاره، يبقى قاصرًا عن فهم الطبيعة الحقيقية له، لأنه يوحي بوجود علاقة ندّية بين طرفين مستقلّين تجمعهما المصالح والتفاهمات، بينما الواقع العقائدي والتنظيمي والمالي والعسكري يثبت أنه ليس حليفًا لإيران بقدر ما هو امتداد مباشر لمنظومتها الأمنية والعسكرية خارج حدودها.
يقوم التحالف التقليدي على تقاطع مصالح يمكن أن يتبدّل بتبدّل الظروف، أما حالة حزب الله، فهي مختلفة جذريًا، لأنها قائمة على مبدأ الولاية العقائدية التي تجعل القرار النهائي مرتبطًا بالمرشد الإيراني، لا بالمصلحة اللبنانية ولا حتى بالحسابات المحلية للحزب نفسه. ومن هنا، يصبح الحديث عن استقلالية القرار مجرد شعار للاستهلاك الداخلي، فيما البنية الفكرية للحزب تنفي أصلًا مفهوم السيادة الوطنية بمعناه الحديث.
لقد نشأ الحزب في الأساس برعاية مباشرة من الحرس الثوري الإيراني بعد دخول اسرائيل للبنان عام 1982، ولم يكن يومًا مشروعًا لبنانيًا صرفًا. التأسيس العقائدي والتنظيمي والمالي والعسكري تمّ بإشراف إيراني كامل، حتى ان أدبياته الأولى كانت تعلن بوضوح التزامها بمبدأ ولاية الفقيه، وبالتالي، فإن الحزب لم يتطوّر لاحقًا نحو “لبننة” حقيقية، بل حافظ على جوهره العقائدي المرتبط بطهران، ولو غلّفه أحيانًا بخطاب لبناني مرحلي لتخفيف الحساسية الداخلية.
ولهذا السبب تحديدًا، لا يمكن فهم سلوك الحزب من منطلق المصلحة اللبنانية. فدخوله الحرب السورية، على سبيل المثال، لم يكن دفاعًا عن لبنان كما ادّعى، بل دفاعًا عن المشروع الإيراني في دمشق وعن خط الإمداد الاستراتيجي الممتد من طهران إلى البحر المتوسط. كذلك الأمر في العراق واليمن وسائر الساحات التي يتحرك فيها ما يُسمى المحور، حيث تبدو الأولوية دومًا للمشروع الجيوسياسي الإيراني لا لاعتبارات الدولة اللبنانية أو شعبها أو اقتصادها أو استقرارها.
لكن الأخطر من كل ذلك ليس السلاح بحد ذاته، بل العقيدة التي تحمله وتبرّره وتمنحه شرعية دائمة. فالسلاح يمكن نزعه يومًا بقرار داخلي أو دولي أو بتسوية تاريخية، أما العقيدة المغلقة القائمة على الطاعة المطلقة والارتباط العابر للحدود، فهي التي تعيد إنتاج السلاح باستمرار ولو تبدّلت الأشكال والظروف.
إن عقيدة “حزب الله” لا تؤسس لدولة، بل لمنظومة فوق الدولة. وهي لا تبني مواطنًا حرًا، بل عنصرًا تعبويًا يُربّى على مبدأ الانصهار الكامل داخل مشروع عقائدي يتجاوز الوطن نفسه. وهنا تكمن الخطورة الوجودية، عندما يصبح الانتماء العقائدي أعلى من الانتماء الوطني، وعندما تتحول الطائفة إلى بيئة مغلقة تعبويًا، يصبح من شبه المستحيل قيام دولة فعلية تحتكر قرار الحرب والسلم.
من هذا المنطلق، فإن الأزمة ليست فقط في ترسانة الحزب العسكرية، بل في الثقافة التي يزرعها داخل المجتمع. ثقافة تمجيد الموت، والانغلاق بدل الانفتاح، والطاعة بدل النقد، والاصطفاف العقائدي بدل الهوية الوطنية الجامعة. وهذا ما يفسّر كيف استطاع الحزب أن يحافظ على بيئته رغم الانهيار الاقتصادي والدمار والعزلة العربية والدولية التي ساهم بها بشكل مباشر أو غير مباشر.
إن أي مشروع إصلاحي حقيقي في لبنان لن ينجح إذا اكتفى بمناقشة سلاح حزب الله بوصفه مشكلة تقنية أو أمنية. القضية أعمق بكثير، لأنها مرتبطة بإعادة بناء مفهوم الدولة والسيادة والهوية الوطنية. فلا يمكن لدولة أن تقوم بوجود عقيدة تعتبر نفسها فوق الدستور، ولا يمكن لجيش وطني أن يحتكر السلاح بينما توجد قوة عقائدية مرتبطة استراتيجيًا بقيادة خارجية.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن أخطر الحركات ليست تلك التي تمتلك السلاح فقط، بل تلك التي تملك عقيدة قادرة على تحويل السلاح إلى "مقدّس" خارج أي مساءلة. وعندما يُقدَّم المشروع العقائدي على أنه حقيقة مطلقة لا يجوز نقدها، يتحول الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، وتصبح الديمقراطية نفسها شكلًا هشًا يمكن تعطيله متى تعارض مع “المهمة العقائدية”.
لبنان اليوم لا يواجه أزمة حزب مسلح فحسب، بل أزمة مشروع كامل يناقض فكرة الدولة الحديثة. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع بندقية هنا أو صاروخ هناك، بل مع ثقافة سياسية وعقائدية ترى لبنان مجرد ساحة ضمن مشروع إقليمي أكبر. وما لم يدرك اللبنانيون هذه الحقيقة بوضوح، سيبقى البلد أسير دوامة الانهيار، لأن الدولة لا يمكن أن تتعايش طويلًا مع منظومة تعتبر نفسها أقوى وأعلى منها بل وأكثر "شرعية" منها أيضًا.
