خاص

خاص: كميل معلوف - الأمن الذاتي! حين يرتدي الخوف ثوب السلطة ويهدّد شرعية الدولة.



بقلم المحامي كميل حبيب معلوف

حين تُفرغ الشوارع وأحياؤها من سلطان الدولة وتُحال إلى حواجز ليلية مرتجلة، مهما كانت النوايا نبيلة، فإنها تنزلق نحو إنتاج كانتونات أمنية متناحرة، وهو ما يشكّل انتهاكاً للمادة السابعة من الدستور اللبناني التي كرّست الحريات الفردية والمساواة أمام القانون، مؤكدة أنّ احتكار القوة الشرعية هو حق حصري للدولة وحدها.

القانون الجزائي اللبناني لم يترك هذا الباب مفتوحاً، بل سدّه بنصوص واضحة وصارمة، إذ اعتبر الدوريات العشوائية واستجواب المواطنين أفعالاً جرمية تقع تحت طائلة المادتين ٣٩١ و٣٩٢ من قانون العقوبات المتعلقة بانتحال الصفة واغتصاب سلطة الضابطة العدلية، كما أنّ توقيف الأشخاص أو حجز حريتهم خارج الإطار القضائي النظامي يُعدّ جريمة حجز حرية معاقب عليها بموجب المادة ٣٦٧ وما يليها.

الذريعة الكلاسيكية المتمثلة في "الدفاع المشروع" لا تصلح هنا، فقد حدّدها الفقه والاجتهاد القضائي اللبناني وفقاً للمادة ٦٥ عقوبات كحق فردي، آني، ومتناسب مع الخطر الحال، لا كمنظومة أمنية دائمة. تحويل هذا الحق إلى سلطة موازية يُعتبر تجاوزا" لصلاحيات الضابطة العدلية ومخالفة لنص المادة ٤٧ من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي حصرت سلطة التوقيف والتفتيش بمذكرات قضائية وإشارات النيابة العامة وفقاً للمادتين ١٠٤ و١٠٥.

وعلى صعيد البلديات، فإن المادة ٧٤ من قانون البلديات اللبناني (المرسوم الاشتراعي ١١٨/١٩٧٧) واضحة في حصر صلاحيات رئيس البلدية بالحفاظ على الأمن بواسطة الشرطة البلدية النظامية الخاضعة لسلطة الدولة ووزارة الداخلية، مما يجعل الاستعانة بلجان شعبية أو شركات أمنية غير مرخّصة إجراءً باطلاً وموجباً للملاحقة.
من الناحية الاجتماعية، فإن ظاهرة "الأمن الذاتي" تُنتج حالة من الخوف الجماعي وتُحوّل الأحياء إلى جزر مغلقة، حيث يُصبح الانتماء الطائفي أو الحزبي معياراً للمرور أو التوقيف، وهو ما يهدّد أسس العيش المشترك ويزرع بذور الفتنة بين المواطنين. إنّ هذه الممارسات، مهما بدت عفوية، تُعيد إنتاج منطق الحرب الأهلية وتُضعف ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها، فتتحوّل السلطة الشرعية إلى سلعة تفاوضية بين الأحياء واللجان، وهو ما يضرب جوهر العقد الاجتماعي الذي يقوم على تسليم القوة للدولة مقابل ضمان الحقوق والحريات.

القضاء المقارن، سواء الفرنسي أو المصري، شدّد بدوره على بطلان الإجراءات الأمنية التي يتخذها الأفراد بدعوى حماية المجتمع، مؤكداً أنّ الأمن ليس سلعة استنسابية بل ركيزة سيادية متكاملة لا تتجزأ. وقد استقر الفقه الفرنسي على أنّ أي تدبير أمني خارج إطار الدولة يُعتبر تعدياً على النظام العام، فيما اعتبر القضاء المصري أنّ الأمن الاجتماعي لا يُجزّأ ولا يُخصخص، بل هو وظيفة سيادية لا يملكها سوى الدولة.

إنّ التسامح مع مزالق "الأمن الذاتي" تحت ذريعة بطء العدالة أو ضعف الأجهزة الرسمية هو مساهمة غير مباشرة في تفتيت السلم الأهلي وضرب سيادة القانون. لذلك، فإنّ الموقف القانوني والوطني السليم يفرض علينا التمسك بالمؤسسات الرسمية والتعاون مع الأجهزة الأمنية والقضائية كملاذ آمن وأوحد لحماية الأرواح والممتلكات وصون كرامة الإنسان وحريته تحت مظلة الشرعية الدستورية وحدها.