بقلم جوزاف أمين
في الخامس والعشرين من أيار من كل عام، يُطلب من اللبنانيين الاحتفال بما يسمى “عيد التحرير”، وكأن هذا التاريخ أصبح حقيقة وطنية جامعة لا يختلف عليها اثنان. إلا أن الحقيقة السياسية والوطنية والتاريخية تقول إن هذا اليوم لم يكن يومًا عيدًا لكل اللبنانيين، بل تحوّل مع مرور السنوات إلى مناسبة فئوية تستخدمها جهة عسكرية وأمنية محددة لتكريس مشروعها العسكري والأيديولوجي داخل الدولة اللبنانية.
التحرير الحقيقي لا يكون حين تخرج قوة ما لتحل مكانها قوة أمر واقع داخلية تفرض إرادتها على الدولة والمؤسسات والشعب. التحرير لا يُقاس فقط بانسحاب جيش أجنبي، بل بقيام دولة حرة سيدة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم، وتبسط سلطتها على كامل أراضيها دون شريك أو وصي أو سلاح خارج الشرعية.
لقد تحوّل مفهوم “المقاومة” في لبنان من حالة مرتبطة بظرف الاحتلال إلى مشروع دائم فوق الدولة، يبرر بقاء السلاح، ويمنع قيام المؤسسات، ويضع لبنان في قلب محاور إقليمية لا علاقة لها بالمصلحة اللبنانية. فكيف يمكن اعتبار هذا اليوم عيدًا وطنيًا، بينما اللبناني منقسم حوله، والدولة نفسها عاجزة عن اتخاذ قرار سيادي مستقل؟
إن اللبناني الذي يؤمن بالدولة لا يستطيع الاحتفال بأي مناسبة كرّست ازدواجية السلطة والسلاح، وأدخلت لبنان في حروب وصراعات وعزلة وانهيار اقتصادي وسياسي. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالدستور والجيش والمؤسسات والحياد والسيادة الكاملة.
ويبقى السؤال الجوهري ي: ماذا بعد التحرير؟
هل تحرر لبنان فعلاً من الخوف؟
هل تحرر من الاغتيالات والانقسامات والهيمنة؟
هل أصبح المواطن أكثر أمانًا وكرامة وازدهارًا؟
أم أنه انتقل من مرحلة احتلال ظاهر إلى مرحلة احتلال مقنّعة مرتبطة بمشاريع خارج الحدود اللبنانية؟
إن رفض الاحتفال بما يسمى “عيد التحرير” لا يعني رفض حق الدفاع عن الأرض، بل رفض احتكار الوطنية وربط لبنان بمحور واحد، ورفض تحويل حدث تاريخي إلى أداة سياسية تستخدم لتخوين كل من يطالب بالدولة والسيادة والشرعية.
فالتحرير الحقيقي يبدأ يوم يصبح اللبناني حرًا في وطنه، لا خائفًا من سلاح الداخل غير الشرعي. يبدأ يوم تكون بيروت عاصمة القرار اللبناني، لا صندوق بريد لصراعات الآخرين. يبدأ يوم يعود الجيش اللبناني وحده الحامي الوحيد للحدود والسيادة والدستور.
عندها فقط، يمكن للبنان أن يحتفل بعيد تحرير حقيقي، عيد تحرير الدولة من كل احتلال، خارجي كان أم داخلي.
