يميل بعض الوسط السياسيّ في لبنان للاعتقاد بأنّ الدور الفرنسيّ يتّجه نحو الأفول مع الرعاية الأميركيّة للمفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة المباشرة. يغفل ذلك وقائع عن تحرّك “الأمّ الحنون”. ما تزال فرنسا “حاملة القلم” في صوغ أيّ قرار يتعلّق بلبنان، فهي عضو دائم في مجلس الأمن، وهذا ما تحتاج إليه الولايات المتّحدة الأميركيّة. تواكب باريس محادثات لبنان وإسرائيل برعاية أميركيّة، بعدما أيّدت “القرار الشجاع” للرئيس اللبنانيّ جوزف عون باعتماد هذا الخيار.
تبدو قراءة بعض الوسط السياسيّ اللبنانيّ لأدوار بعض الدول في لبنان مرّة أخرى أقرب إلى النظرة “القرويّة” البسيطة والسطحيّة. ينطبق هذا الوصف على الحسابات إزاء علاقات البلد بالإقليم وبالدول الكبرى.
في ما يتّصل بالدور الفرنسيّ لا بدّ من ذكر الاتّصال الذي أجراه إيمانويل ماكرون بالرئيس دونالد ترامب إثر القصف الإسرائيليّ المجنون للبنان في 7 نيسان الماضي، وحضّه فيه على تحقيق وقفٍ لإطلاق النار، فطلب الرئيس الأميركيّ من نتنياهو خفض التصعيد في اليوم التالي. أدّى وقف إطلاق النار مع هشاشته إلى تحييد بيروت حتّى إشعار آخر. على الرغم من توتّر العلاقة الأميركيّة الفرنسيّة في شأن أوكرانيا، الحرب على إيران، وقضيّة مضيق هرمز، ما تزال علاقة الدولتين تتيح التفاهم على لبنان. اعتادت واشنطن أن تعود إلى النصائح الفرنسيّة بعد كلّ منعطف. ولا بدّ من ذكر وقائع من بينها:
تشجيع باريس على التّفاوض المباشر
ليس صحيحاً أنّ فرنسا منزعجة لاستبعادها عن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. الحقيقة الكامنة خلف امتداح باريس مبادرة عون إلى اختيار هذه المفاوضات هي أنّ باريس شجّعت هذا الخيار قبل تبنّيه. رأى البعض أنّ نقل التفاوض إلى مستوى جديد في واشنطن، بوفد عسكريّ لبنانيّ وآخر دبلوماسيّ، يستبعد فرنسا لأنّه يتمّ خارج صيغة لجنة “الميكانيزم”. بالمقابل تقول مصادر دبلوماسيّة فرنسيّة لـ”أساس” إنّها سبق أن نصحت الجانب اللبنانيّ بالذهاب إلى هذا الخيار، برعاية أميركيّة للتوصّل إلى حلّ مستدام لأمن الجنوب. اعتبرت باريس أنّ دور لجنة “الميكانيزم” التي تضمّها والأمم المتّحدة، إضافة إلى أميركا ولبنان وإسرائيل، يقتصر على مراقبة تنفيذ اتّفاق وقف العمليّات الحربيّة الذي وُقّع في السادس والعشرين من تشرين الثاني 2024. لكنّ المطلوب حلّ مستدام يعالج أمن إسرائيل وانسحابها من الجنوب وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانيّة. يقرّ الجانب الفرنسيّ بأنّ واشنطن هي الأقدر على الضغط على إسرائيل، التي لطالما سعت إلى استبعاد فرنسا والأمم المتّحدة عن حلول لتعقيدات جبهتها مع لبنان. لا يتوقّف الجانب الفرنسيّ عن مطالبتها بالانسحاب، ويدين الفظاعات التي يرتكبها جيشها. تسلّم الإدارة الفرنسيّة بتفضيل نتنياهو الدور الأميركيّ حصراً، مع إدراكها لاطمئنانه إلى قدرته على التأثير في قرارات ترامب.
تحرُّك لودريان.. ويزيد وكرم في باريس
تجلّت المتابعة الفرنسيّة لمفاوضات واشنطن في الآونة الأخيرة في عدّة تحرّكات، بدءاً بالتشاور الفرنسيّ السعوديّ. الموفد الرئاسيّ الفرنسيّ جان إيف لودريان، الذي كرّر أوّل من أمس أنّذ “لبنان في خطر”، كان زار قبل 20 يوماً الرياض حيث بحث أوضاعه مع مسؤوليها. يتوقّع أن يزور بيروت في شهر حزيران المقبل، بعد مفاوضات المسار العسكريّ بين لبنان وإسرائيل في واشنطن في 29 الشهر الجاري، والمسار السياسيّ في 2 و3 حزيران.
علم “أساس” أنّ الموفد السعوديّ الأمير يزيد بن فرحان زار باريس الأسبوع الماضي للتنسيق بشأن لبنان.
علم “أساس” أنّ رئيس الوفد اللبنانيّ إلى المفاوضات في واشنطن، السفير السابق سيمون كرم، عرّج على العاصمة الفرنسيّة في طريقه إليها، ثمّ زارها في طريق عودته بعد انتهاء الجولة الثالثة، للتشاور مع لودريان والفريق المعنيّ بلبنان بشأن حصيلتها.
باريس تخشى
تقترن القناعة الفرنسيّة بالتفاوض المباشر مع جملة مبادئ تفرض التنبّه لبعضها:
الخشية من الاستدراج الأميركيّ للرئيس عون إلى مشهد الصورة مع نتنياهو، التي يجب أن تأتي في نهاية التفاوض لا بدايته. كانت خطوة كهذه لتسبّب مشكلة لبنانيّة داخليّة، حسب الفهم الفرنسيّ. لذلك أيّدت باريس امتناع عون عن الاستجابة لها.
الخشية من أن تُفقِدَ الاستحقاقات الداخليّة الانتخابيّة المقبلة في كلّ من إسرائيل وأميركا زخم اهتمام واشنطن بالبلد. بل إنّ جانباً ممّا تطرحه إسرائيل في التفاوض يتأثّر بالمناخ الداخليّ. الخشية هي من أن يُعيد تراجع الاهتمام الأميركيّ لبنانَ إلى تجربة تسعينيّات القرن الماضي التي شهدت استقراراً داخليّاً واشتعالاً في الجنوب.
التوجّس من بعض التلميحات الأميركيّة التي من نوع ما تردّد عن أنّ اجتماع المسار العسكريّ في البنتاغون في التاسع والعشرين من أيّار قد يتناول التعاون بين جيشَي لبنان وإسرائيل. التسريبات الإسرائيليّة عن إنشاء فرقة منتقاة من جيش لبنان بتدريب وإشراف أميركيَّين، وصولاً إلى ادّعاء قيام غرفة عمليّات مشتركة مع إسرائيل للتعاون ضدّ “الحزب”، تراها الدبلوماسيّة الفرنسيّة خياليّة وذات تداعيات سلبيّة داخليّاً. سقط “الحزب” في فخّ هذه التسريبات وأمعن في تخوين السلطة اللبنانيّة في تصريحات قياديّيه، بينما الأمر غير وارد لدى لبنان الرسميّ.
حالة “الحزب” والتّنسيق مع السّعوديّة
حالة “الحزب” وسلاحه مسألة باتت غير مقبولة بأيّ شكل من الأشكال من قبل المجتمع الدوليّ.
تعتبر باريس أنّ الأهمّ هو الدور الإقليميّ، وفي مقدَّمه الدور السعوديّ، في صيانة الوضع اللبنانيّ المعقّد بعد ما تسبّبت به الحرب من احتلال إسرائيليّ وكوارث. يساعد التنسيق الفرنسيّ السعوديّ في هذا السياق على مخرجات الوفاء بالمساعدة الدفاعيّة للجيش اللبنانيّ. تولي باريس أهميّة للتعاون الأوروبيّ الخليجيّ في تحقيق استقرار المنطقة، وخصوصاً لبنان. في هذا السياق تهتمّ باريس بالاتّصالات السعوديّة الإيرانيّة.
ما يحفّز باريس على تكثيف تحرّكها باتّجاه لبنان عوامل اقتصاديّة، تاريخيّة وثقافيّة، لكنّ الأولويّة الراهنة هي التحضير لصيغة الوجود الدوليّ البديل لقوّات “اليونيفيل” بعد انسحابها آخر العام الحاليّ. وللتشاور العميق والصامت في هذا الشأن حديث لاحق. نشرة أخبار لبنان
وليد شقير - أساس ميديا
