في واشنطن، نادرًا ما تبدأ معارك الرئاسة بإعلانات رسمية. فهي غالبًا ما تبدأ بالإشارات. بصورة مدروسة، بإطلالة محسوبة، أو حتى بطريقة جلوس شخصين إلى جانب الرئيس نفسه. وهذا تمامًا ما يحدث اليوم داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث بدأت تتشكّل بهدوء ملامح المعركة الجمهورية المقبلة بين وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جاي دي فانس.
ظاهريًّا، لا أحد يتحدث عن انتخابات 2028. لكن عمليًّا، كل شيء يوحي بأن السباق بدأ مبكرًا. حتى ترامب نفسه، الذي يدرك جيّدًا كيف تُصنع اللحظات السياسية، دخل على خط المقارنة بين الرجلين. ففي إحدى الفعاليات، طلب من الحضور التصفيق لمرشّحهم المفضّل بين روبيو وفانس. قد تبدو اللحظة عفوية، لكنها في السياسة الأميركية ليست تفصيلا. فترامب يعرف تمامًا كيف يختبر مزاج قاعدته الشعبية، وكيف يحوّل التصفيق إلى رسالة سياسية.
لكن الأهم ربما لا يظهر في التصفيق، بل في طريقة توزيع الملفات داخل الإدارة نفسها. فخلال الأشهر الأخيرة، بدا كأن البيت الأبيض يوزّع ساحات النفوذ السياسية والدبلوماسية بالتوازي بين الرجلين، في مشهد يشبه اختبارًا عمليًّا مبكرًا للقيادة.
ماركو روبيو، الذي يشغل أيضًا منصب مستشار الأمن القومي بالوكالة، بات الوجه الأبرز في ملفات السياسة الخارجية التقليدية والحساسة دبلوماسيًّا. ملف لبنان وملفات المفاوضات والتوترات الإقليمية، تتحرّك بشكل أساسي عبر قنوات يقودها روبيو وفريقه، في وقت تحاول فيه واشنطن الحفاظ على توازن دقيق. سياسة
كذلك، يبرز روبيو بقوة في الملف الكوبي، وهو أمر ليس تفصيلا سياسيًّا بالنسبة إليه. فالرجل منحدر من أصول كوبية، ولطالما بنى جزءًا من حضوره السياسي على موقفه من النظام الكوبي، وعلى علاقته بالجالية الكوبية المحافظة داخل الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن أي تصعيد أو تفاوض مرتبط بكوبا يتحوّل عمليًا إلى مساحة نفوذ طبيعية لروبيو داخل الإدارة.
في المقابل، يتحرّك جاي دي فانس في ملفات مختلفة تعكس صورة "الترامبية الجديدة". فانس حاضر بقوة في الملف الإيراني، ليس فقط من زاوية الأمن القومي، بل أيضًا من زاوية الخطاب الرافض للحروب. وهو يحاول تقديم نفسه كشخصية قادرة على الجمع بين القوة الأميركية ورفض الانزلاق إلى حروب طويلة، وهي نقطة أساسية داخل القاعدة الترامبية اليوم. نشرة أخبار لبنان
أما الملف الأكثر دلالة، فهو غرينلاند. فالجزيرة التي أعاد ترامب إحياء النقاش حول أهميتها الاستراتيجية أصبحت واحدة من الملفات التي يتحرّك فيها فانس بشكل مباشر، مع محاولاته تقريب وجهات النظر مع الحلفاء الغربيين.
من هنا، تبدو المنافسة بين الرجلين أعمق من مجرّد سباق شخصي على الرئاسة. هي معركة على شكل الحزب الجمهوري بعد ترامب. هل يريد الجمهوريون استمرار النسخة الصدامية التي يمثلها فانس؟ أم أنهم يبحثون عن نسخة أكثر هدوءًا ومؤسساتية، قادرة على الحفاظ على إرث ترامب، ولكن بلغة أخفّ، كما يحاول روبيو أن يقدّم نفسه؟
حتى الآن، لا أحد يعلن ترشّحه رسميًّا. لكن في واشنطن، لا تبدأ الترشيحات الحقيقية بالأوراق الرسمية، بل حين يبدأ النظام نفسه بتوزيع الأدوار عليك بوصفك مرشّحًا رئاسيًّا محتملا.
أورور كرم - نداء الوطن
