خاص

خاص: جورج الريّس - هنا مرَّ البطاركةُ… فقامَ لبنان



بقلم جورج ر. الريّس

الياس الحويك ...البطريرك الذي خرجَ من صمتِ الصلاةِ ليُواجهَ جوعَ شعبه، والراعي الذي عبرَ الحروبَ والمجاعاتِ والانهياراتِ مؤمنًا بأنّ لبنان ليس صدفةَ جغرافيا، بل رسالةُ حريةٍ وكرامةٍ وعيشٍ مقدّس.
في زمنِ المجاعةِ الكبرى فتحَ الأديرةَ والكنائسَ والقلوب، وجالَ العالمَ مدافعًا عن شعبه، حتى صارَ صوتَ الموارنةِ ووجعَهم أمامَ الدولِ الكبرى.
وعندما وقفَ في مؤتمرِ فرساي سنة ١٩١٩، لم يكن يطالبُ بوطنٍ لطائفة، بل بوطنٍ للكرامةِ الإنسانية، وطنٍ يحمي الإنسانَ في تنوّعه، فكانَ من أبرزِ صانعي حلمِ لبنان الكبير الذي أُعلن سنة ١٩٢٠.
لكنّ الحويّك لم يكن استثناءً في تاريخِ البطاركةِ الموارنة، بل امتدادًا لسلسلةِ نارٍ وصلواتٍ ودماء.
من يوحنّا مارون، البطريركِ المقاومِ الذي حملَ شعبَه إلى جبالِ الحريةِ، بدأتْ حكايةُ كنيسةٍ لم تركعْ أمامَ السيف.
ومن دانيال الحدشيتي الذي واجهَ الاضطهادَ حتى الاستشهاد، إلى جرجس حجولا الذي ماتَ حرقًا وهو ثابتٌ على الإيمان، كتبَ البطاركةُ تاريخَهم بالدمِ قبلَ الحبر.
لم يكونوا رجالَ سلطة، بل حرّاسَ قضية، وحينَ كانتِ الأممُ تسقطُ تحتَ الغزو، كانَ البطريركُ المارونيُّ يقفُ كالسنديانةِ فوقَ قممِ لبنان، يصلي ويقاوم ويحفظُ الهويةَ والإيمان.
لهذا قيلَ: “مجدُ لبنانَ أُعطيَ لهم”، لأنهم لم يصنعوا أمجادًا شخصية، بل صنعوا وطنًا من الرماد، وكيانًا من الشهادة، ورسالةً من الألم.
فالوجودُ المارونيُّ لم يكن يومًا ترفًا تاريخيًا، بل مسيرةَ صمودٍ طويلةٍ في وجهِ كلِّ الأعاصير، من الغزواتِ القديمةِ إلى حروبِ هذا الشرقِ المتعب.
وفي هذه الأرضِ المقدّسةِ التي تُنبتُ القديسينَ كما تُنبتُ الأرز، سيبقى لبنانُ قائمًا، لأنّ فيه شعبًا تعلّمَ من بطاركتِه كيفَ يحوّلُ الوجعَ إلى قيامة، وكيفَ يجعلُ من الإيمانِ وطنًا لا يموت.
لبنانُ باقٍ… لأنّه قلبُ اللهِ على هذه الأرض...