بعد حرمان مزمن من المشاريع الحيوية والاستثمارات الكبرى، عاد مطار الرئيس رينه معوض في منطقة القليعات العكارية إلى الواجهة، مع تسارع الخطوات الآيلة إلى إعادة تأهيله ووضعه في خدمة النقل الجوي، كرهان اقتصادي يعيد وصل الشمال بدورة الإنتاج الوطني.
الحماسة الشعبية والاقتصادية والإعلامية التي رافقت الحديث عن إعادة تشغيل المطار، دفعت بأسعار العقارات والإيجارات في محيطه إلى ارتفاع مطّرد، بعدما شعر كثيرون بأن المشروع قد يكون باباً لتوفير فرص عمل جديدة، واستثمارات إنمائية افتقدتها عكار لعقود.
دفتر شروط جديد واستثمار يموّل نفسه
عملياً، أُنجِز دفتر الشروط الخاص بالتشغيل والاستثمار، قبل أن تطلب الهيئة العامة للطيران المدني إدخال تعديلات إضافية عليه تعزز مبدأ شفافية التلزيم والعقود، وتساعد على تحول المشروع إلى استثمار مربح ومتوازن مالياً، "يعيل ذاته" ولا يكبّد الدولة أيّ أعباء مستقبلاً في حال تعثره.
ولا تكمن أهمية التعديلات في بعدها القانوني والتنظيمي فقط، بل في التوجه الجديد الذي سيحكم إدارة المطار ومنشآته.
والحال أن الشروط والتعديلات الجديدة للمستثمر تسمح يإشغال كامل للمطار، وتُلزِمه إنشاء مبنى للركاب، وتجهيز شبكة تزويد الطائرات الوقود، وتوفير الخدمات الأرضية، وإدارة الشحن الجوي، وتشغيل خدمات الركاب والأمتعة والتموين والتغليف، بما يعني عملياً أن المستثمر سيتولى إدارة المطار منفرداً، بكامل وظائفه التشغيلية.
كذلك لحظت التعديلات الجوانب القانونية والمالية، فرفعت قيمة "ضمان العرض" إلى 150 ألف دولار، وزادت الحد الأدنى لسعر الافتتاح إلى 200 ألف دولار، ومنعت أيّ ائتلاف مستثمر من تغيير تركيبته القانونية بعد تقديم العرض، بما يضمن وضوح المسؤوليات ومنع الالتفاف على شروط المنافسة.
إلى ذلك، فرضت سقوفاً مرتفعة للتأمينات والضمانات، تجاوزت قيمتها الإجمالية 16 مليون دولار، تشمل تأمين المطار والخدمات الأرضية والمنشآت والمعدات والأضرار والطوارئ والمسؤولية تجاه الغير.
توازياً، ألزمت وزارة الأشغال العامة تأهيل الطريق المؤدية إلى المطار خلال مهلة 90 يوماً، إدراكاً منها أن نجاح المشروع يرتبط بالبنية المحيطة به أيضاً.
استقبال 40 طائرة يومياً؟
يؤكد رئيس الهيئة العامة للطيران المدني الكابتن محمد عزيز لـ"النهار" أن مطار القليعات قادر بصيغته الحالية، على استقبال أنواع متعددة من الطائرات، موضحاً أن المطار يستطيع استقبال طائرتين كبيرتين يومياً، أو ما يصل إلى 40 طائرة صغيرة من فئة الـ Embraer والـ Airbus A320 يوميا لمدة 20 سنة، باستخدام المدرج الحالي نفسه. ويشير إلى أن هذه الطائرات قادرة على تسيير رحلات مباشرة إلى وجهات أوروبية مثل باريس، معتبراً أن "هذا النموذج معمول به في كثير من مطارات العالم".
ويشرح أن تشغيل المطار سيكون مرحلياً خلال السنوات الأربع الأولى، على أن يفتح الباب لاحقاً أمام شراكات أوسع ضمن صيغة الـPPP، بما يسمح بتطوير المشروع تدريجاً وإنشاء مدرج ثانٍ في المستقبل. وفي رأيه أن البدء بتشغيل المطار فوراً أفضل بكثير من انتظار مشروع متكامل قد يحتاج إلى سنوات طويلة للتنفيذ، خصوصاً أن إقفال المدرج الحالي لإعادة بنائه بالكامل قد يؤدي إلى تعطيل المشروع لأكثر من سنتين أو ثلاث.
ويشبّه عزيز المشروع بمتجر فارغ ترتفع قيمته بمجرد أن تبدأ الحركة داخله، موضحاً أن "تشغيل المطار أولاً هو ما سيجذب المستثمرين الحقيقيين لاحقاً، لأنهم سيرون أمامهم منشأة عاملة وليست مجرد دراسة على الورق".
رهان على الشركات المنخفضة الكلفة
اقتصادياً، يعول القائمون على المشروع على استقطاب شركات الطيران المنخفضة الكلفة، لذلك طرحت أفكار تتعلق بمنح حوافز كثيرة، لتشجيع الحركة الجوية وتحويل القليعات إلى خيار فعلي للمسافرين.
ولا يخفي عزيز أن قرب المطار من الحدود السورية يسمح باستقطاب المسافر السوري، خصوصاً إذا جرى تنظيم التعاون اللوجيستي والنقل بين البلدين، فتتحول الحدود إلى عنصر دعم للحركة، أسوة ببعض المطارات الأوروبية المشتركة جغرافيا بين أكثر من دولة.
من هي Sky Lounges Services؟
رست المزايدة العمومية لتشغيل مطار القليعات واستثماره على شركة Sky Lounges Services، وهي وفق عزيز "تعمل أساساً في بيروت، ولديها نشاط في مجال الطيران الخاص، وتشغّل طائرات "Jet" خاصة، كذلك تملك صالة خاصة بالطيران العام. وهي قادرة أيضاً على إقامة تحالفات مع جهات أخرى إذا أرادت، لكنها تبقى الجهة المسؤولة أمام الدولة. وتملك خبرة تتجاوز الـ 20 عاماً في هذا المجال، وهي من أقدم الشركات الموجودة، وتعمل أيضاً في مجال تأجير الطائرات (Leasing)، وتالياً تستطيع بسهولة استقدام طائرات وتشغيلها عبر هذا المطار".
سلوى بعلبكي -النهار
