محليات

لبنان يحتاج إلى استراتيجيا تفاوض جديدة مع إسرائيل!



سعت الولايات المتحدة في الجولة الأخيرة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن إلى تثبيت وقف إطلاق النار بين الثانية و"حزب الله" رغم معرفتها أن الفريقين يتصرفان كأن الحرب بينهما لا تزال طويلة وربما جداً.

لهذا السبب يحض "الحزب" أهل الجنوب الذين نزحوا منه إلى بيروت و"الجبل" ومناطق أخرى إلى البقاء في أماكن لجوئهم وعدم محاولة العودة إلى مدنهم وقراهم والمنازل ريثما تصبح منطقتهم آمنةً تماماً. وهي ليست كذلك اليوم. والمحيّر أن الجانبين الإسرائيلي واللبناني لديهما قراءتان استراتيجيتان متناقضتان للوضع في المنطقة وهما يعملان على تنفيذ استراتيجيتين تتناقض أهدافهما. علماً أن أعمالهما تتلاقى على تفخيخ الدولة اللبنانية وعملها لإنهاء الصراع ونزع سلاح "حزب الله" والمحافظة على دولة لبنان وأراضيها كاملةً وغير منقوصة.

التلاقي المشار إليه ليس صدفةً. فهو يعكس "الفخ" الذي وجدت الدولة اللبنانية نفسها فيه اليوم، ذلك أنها بين عدوٍ هو إسرائيل ينفي سيادتها على أرضها ولاعب "محلي" إسماً وليس فعلاً هو "حزب الله" الذي يعمل بقوة وفاعلية على نحو يجعل سيادة الدولة اللبنانية ناقصةً. وعلى صعيد إسرائيل فإن لحملتها هدفين رئيسيين. الأول "تنظيف" المدن والقرى الواقعة ضمن ما يسمى المنطقة الأمنية في جنوب لبنان من سكانها وإبنائها الغالبيتهم شيعة. ويتسبّب ذلك بتدميرها وبمنع أبنائها من العودة إليها. بهذه الطريقة تسعى إسرائيل إلى تجنّب التفاوض مع لبنان على مستقبل المناطق الواقعة ضمن الحزام الأمني أو المنطقة الأمنية. وبدلاً من ذلك يمكن أن يناقش الفريقان اللبناني والإسرائيلي تمديداً لوقف النار وعودة النازحين من المنطقة الملاصقة للشريط الحدودي إليها وأخيراً البدء بعملية إعادة البناء.

كان هناك الكثير من الغموض السنة الماضية عندما اقترح الموفد الأميركي توم برّاك خطة لمنطقة إقتصادية في منطقة الحدود. وقد حاول بيع هذا الاقتراح باعتباره وسيلة لتوفير البحبوحة لسكان القرى الحدودية بدلاً من إبقائهم معتمدين على "حزب الله". وقيل إن صياغة هذا الاقتراح تمت بين برّاك ورون دريمر المستشار الذي يثق به ويعتمد عليه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. 

ووفق المنظور الإسرائيلي فإن استراتيجيا المنطقة الملاصقة Buffer Zone في غزة تضمنت اقتراحات بخلق مناطق يمنع السكان المعروفون بالعداء لإسرائيل من العودة إليها. إنطلاقاً من ذلك فإن إقتراح برّاك يخدم هدفين لكونه إداة تحفيز للسكان المحليين لصنع سلام مع إسرائيل، لكنه قد يصبح أيضاً آليةً تستطيع بواسطتها إسرائيل أن "تفلتر" أي مواطنين لبنانيين يستطيعون أن يعيشوا في منطقة واقعة أساساً تحت سيادة دولتهم.

طبعاً ليست الطروحات القصوى الإسرائيلية مفاجئة في ظل قيادة نتنياهو. فأحد وزرائه دعا إسرائيل إلى توسيع حدودها شمالاً من أجل ضم أرضٍ لبنانية حدودها نهر الليطاني. في أي حال لا تستطيع تصريحات كهذه إلا تفخيخ العملية الديبلوماسية المنخرط فيها لبنان كلياً اليوم إذا تبقي "حزب الله" المسلّح ناشطاً، لأن سيادة لبنان ستبقى منقوصة.

من الناحية الإسرائيلية هناك هدفان رئيسيان في الحملة الراهنة؛ الأول تنفيذ تطهير عرقي في المدن والقرى داخل ما يسمى الحزام الأمني في جنوب لبنان من سكانه الشيعة في غالبتيهم. وسيتسبب ذلك بدمارهم. بهذه الطريقة تحاول إسرائيل تفادي التفاوض مع لبنان على مستقبل المناطق الواقعة ضمن الحزام الأمني. بدلاً من ذلك قد يناقش الطرفان تمديد وقف إطلاق النار في المناطق خارج "الشريط" وعودة النازحين المقيمين خارجه وأخيراً إعادة البناء.

ماذا يعني ذلك؟ يعني في رأي باحث عربي في مركز أبحاث أميركي أن المواقف الإسرائيلية المتطرّفة ليست أمراً استثنائياً في حكومة يقودها نتنياهو. فأحد وزرائه اقترح ضم أرض لبنانية واقعة بين الحدود مع إسرائيل ونهر الليطاني. لكن تصريحات كهذه تقوّض العملية الديبلوماسية المنخرطة فيها كلياً اليوم الحكومة اللبنانية. أما "حزب الله" فيقول إن إسرائيل لن تحقّق أي فائدة للبنان، إذ إنها ستؤمّن نزع سلاحه وربما تنتهي بضم هذه المنطقة. الهدف الإسرائيلي الثاني هو خلق ظروف لتحرّك لبناني قوي ضد "حزب الله" إما من خلال الحكومة أو على المستوى الشعبي. وعمليات القصف الجوي التي استهدفت مناطق مأهولةً من شيعة وغير شيعة كان هدفها التحريض على الشيعة في أوساط الطوائف اللبنانية الأخرى. علماً أن إسرائيل بنزع سلاح سريع لـ"حزب الله" يمكن أن يعرّض حكومة لبنان للخطر ويجعل من نزع سلاح "الحزب" عملية بالغة الصعوبة. 

أما استراتيجية "الحزب" في المقابل فهي وصل جبهة لبنان الجنوبي بالصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران. وهذا الأمر يدور في التفكير الأمني الوطني الإيراني. ويُقال إن إيران وضعت ذلك شرطاً لوقف النار في الخليج وحربها مع الولايات المتحدة. وسواء كان ذلك صحيحاً أم لا فإن "حزب الله" يأمل في أمرين. الأول إتفاق شبيه بتفاهم نيسان 1996 يجعل القتال منحصراً بين "حزب الله" وإسرائيل في المناطق اللبنانية التي تحتلها الأخيرة. أما الثاني فهو تخصيص الأموال التي قد تقرّرها إيران للبنان بعد انتهاء الحرب لإعادة بناء المناطق الشيعية المدمّرة. وربما تؤدي المفاوضات إلى تفاهم بين السعودية وتركيا وباكستان ومصر والى قيام جبهة منها كلها ضد إيران.

فهؤلاء قلقون من سيطرة إسرائيل إقليمية مدعومة من الولايات المتحدة. وقد يُعطي ذلك فرصة تنفس كبير لـ"حزب الله" ويدمّر سلطة الدولة اللبنانية. في اختصار يجب عدم وقوع حكومة لبنان في تقديم تنازلات مجانية لإسرائيل لأن ذلك سيساعد "الحزب" في إعادة ترتيب وضعه داخل لبنان واحتلال جنوب لبنان أو قسم منه مدة طويلة سيُعطي "الحزب" حياةً جديدة تمكّنه من إعادة ترتيب أوضاعه ودوره في البلاد. وعلى لبنان أن يحدّد بنفسه شروط مفاوضاته مع إسرائيل وإبعادها عن أي مجموعة إقليمية تعارض إسرائيل.