بقلم العميد المتقاعد فايز مشموشي
يأتي عيد التحرير هذا العام مختلفًا عن كل الأعوام السابقة، لا كذكرى انتصار وطني جامع، بل كحدث يختلط فيه الألم بالأسئلة الكبرى حول مصير الجنوب ولبنان ككل، بعد الحرب الدامية التي تشهدها المناطق الجنوبية وما تخلفه من دمار واسع وتهجير لعشرات القرى، حتى بات المشهد أقرب إلى أرض منكوبة فقدت الكثير من معالم الحياة.
لا يمكن إنكار أن تحرير الجنوب عام 2000 شكّل إنجازًا تاريخيًا ساهمت فيه تضحيات المقاومين، إلى جانب ظروف سياسية داخلية وتنسيق دولي وإقليمي سعى اليها الرئيس الشهيد رفيق الحريري أدت إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي استمر أكثر من عشرين عامًا. يومها، شعر اللبنانيون بأن الجنوب عاد إلى حضن الوطن، وأن صفحة الاحتلال طويت لصالح مشروع الدولة والاستقرار والسيادة.
لكن ما حدث بعد التحرير أخذ منحى مختلفًا. فبدل أن يتحول الإنجاز إلى فرصة لبناء دولة قوية تبسط سلطتها الكاملة على أراضيها وحدودها، اتجه حزب الله بارتباطه الخارجي إلى تكريس واقع موازٍ للدولة مستندًا إلى سلاحه وقوته العسكرية، رافضًا أي نقاش جدي حول حصرية السلاح بيد الدولة أو تسليم قرار الحرب والسلم للمؤسسات الشرعية اللبنانية.
ومع مرور السنوات، تعمّق ارتباط الحزب بالمشروع الإيراني في المنطقة، وأصبح الجنوب اللبناني جزءًا من استراتيجية إقليمية مرتبطة بحسابات طهران أكثر مما هي مرتبطة بالمصلحة اللبنانية الوطنية. فبدل أن يكون السلاح أداة لحماية لبنان، تحول تدريجيًا إلى وسيلة تستخدمها إيران ضمن شبكة نفوذها الإقليمية، من العراق إلى سوريا واليمن وصولًا إلى جنوب لبنان.
هذا الارتباط الخارجي لم يكن سياسيًا فقط، بل انعكس أمنيًا وعسكريًا على الأرض. إذ جرى تحويل الجنوب إلى مساحة نفوذ مغلقة، وإقامة بنية عسكرية وخنادق ومراكز وتجهيزات مرتبطة باستراتيجية “وحدة الساحات” الإيرانية، في وقت جرى فيه إقصاء الدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية والأمنية عن القرار الفعلي في المنطقة الحدودية.
كما رفض الحزب تاريخيًا أي انتشار فعلي للجيش اللبناني على الحدود الجنوبية بالشكل الذي يسمح للدولة باستعادة سيادتها الكاملة، متمسكًا بواقع أمني خاص به، ما جعل الجنوب رهينة مباشرة لأي تصعيد إقليمي مرتبط بإيران أو بمفاوضاتها مع الولايات المتحدة والغرب.
واليوم، يدفع الجنوبيون الثمن الأكبر لهذه السياسات. قرى مدمرة، آلاف النازحين، خسائر بشرية ومادية هائلة، وواقع اقتصادي واجتماعي كارثي، فيما تبدو إيران بعيدة عن تحمل نتائج المواجهة، مكتفية بخطابات الدعم السياسي والإعلامي، في وقت يُترك فيه اللبنانيون وأهل الجنوب خاصتاً وحدهم في مواجهة العدوان الإسرائيلي.
الأخطر أن هذه الحرب أعادت الجنوب إلى نقطة الصفر، وأسقطت رمزية التحرير التي تحققت عام 2000. فبعد ستة وعشرين عامًا، يعود جزء كبير من الجنوب إلى واقع الاحتلال العسكري والدمار والاستنزاف، وكأن الإنجاز التاريخي تم تبديده نتيجة ربط لبنان بمشروع خارجي لا يشبه أولويات الدولة اللبنانية ولا مصالح شعبها.
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن منطق الاستقواء بالسلاح خارج الدولة لم يؤسس لحماية وطنية حقيقية، بل ساهم في تعميق عزلة لبنان وإضعاف مؤسساته وتحويله إلى ساحة مواجهة مفتوحة. فحين يغيب قرار الدولة وتحضر الأجندات الإقليمية، يصبح اللبنانيون هم الوقود الدائم للحروب.
عيد التحرير اليوم لم يعد مجرد مناسبة لاستذكار الانتصار على الاحتلال، بل تحوّل إلى مناسبة لطرح سؤال جوهري: هل يمكن للبنان أن يستعيد سيادته ودوره الطبيعي عبر دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم، أم أن استمرار هيمنة السلاح المرتبط بالمشروع الإيراني سيبقي الجنوب واللبنانيين رهائن لحروب لا تنتهي؟
