صحافة

بين "حياكة السجاد" الإيرانية وحرائق الجنوب



كتب المحرر السياسي

في جوهر الأزمة اليوم، لا يبدو أن جزءاً واسعاً من البيئة الشيعية في لبنان يتعامل مع الحرب بوصفها حرباً لبنانية بقدر ما يتعامل معها كجزء من مسار إقليمي تقوده طهران وتفاوض عليه مع واشنطن. هنا تحديداً تكمن المفارقة: الناس الذين يعيشون تحت النار يومياً، وينتظرون وقفاً للاغتيالات والتدمير، باتوا عملياً أسرى إيقاع المفاوضات الإيرانية-الأميركية، وكأن مصير الجنوب لم يعد يُحسم في بيروت ولا حتى على الحدود، بل في غرف التفاوض النووي والسياسي بين الدولتين.


في الخطاب الداخلي، يتم تسويق هذا الانتظار باعتباره "صبراً استراتيجياً" أو "نَفَساً طويلاً"، مع استحضار الصور التقليدية عن حياكة السجاد الإيراني "قطبة قطبة". لكن المشكلة أن إسرائيل لا تنتظر انتهاء الحياكة. هي تعمل يومياً على تبديل الواقع الميداني، وتوسيع بنك أهدافها، وضرب ما تعتبره بنية عسكرية أو حاضنة لوجستية أو حتى بيئة ردع مستقبلية. وبينما ينشغل محور المفاوضات بحسابات التوقيت وشروط التسوية الكبرى، تتآكل الجغرافيا الشيعية ومعها الحواضر نفسها تدريجياً.


الخيام وبنت جبيل والقرى الحدودية لم تعد وحدها في دائرة الاستهداف. النبطية وصور والبقاع الغربي ومحيطهما دخلت بدورها في دائرة النار. وهذا يعني أن إسرائيل لم تعد تتصرف بمنطق "المنطقة العازلة" فقط، بل بمنطق إعادة تشكيل ميزان الردع عبر إنهاك البيئة الحاضنة نفسها. وكلما طال أمد الانتظار، يصبح الثمن الاجتماعي والاقتصادي والبشري أكبر بكثير من أي مكسب تفاوضي محتمل قد يأتي لاحقاً من الخارج.


المعضلة الأعمق أن هذا الفريق نفسه يرفض في المقابل أي محاولة تفاوض تقوم بها الدولة اللبنانية، حتى لو كان هدفها الوحيد تثبيت الانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات. فمجرد قبول الدولة بمسار تفاوضي مباشر أو شبه مباشر يُصوَّر وكأنه تنازل سياسي أو اعتراف مجاني أو سقوط أخلاقي، فيما يُعتبر انتظار التفاوض الإيراني-الأميركي عملاً "حكيماً" و"استراتيجياً". هنا يظهر التناقض بوضوح: تفاوض الخارج مشروع، أما تفاوض الدولة اللبنانية لحماية أرضها ومواطنيها فيُعامل كخيانة أو ضعف.


هذا الواقع يعكس أزمة أعمق من مجرد موقف سياسي. هو يعكس ازمة هوية بربط جزء من اللبنانيين مصيرهم بموازين القوى الإقليمية. لكن الخطير أن إسرائيل تستفيد تحديداً من هذا الفراغ. فكلما ضعفت الدولة كمرجعية وحيدة للتفاوض والقرار الأمني، بات لبنان أكثر هشاشة وأقل قدرة على فرض خطوط حمراء أو حماية مجتمعاته المحلية.
وفي حال انتهت المفاوضات الإيرانية-الأميركية إلى تسوية ما، ليس مضموناً أصلاً أن تكون أولوية تلك التسوية إعادة إعمار الجنوب أو حماية القرى الشيعية. الدول تتفاوض وفق مصالحها الكبرى، لا وفق حجم الخسائر اليومية للناس. لذلك قد يجد كثيرون أنفسهم بعد أشهر أمام واقع جديد: مناطق مدمرة، اقتصاد منهك، وبيئة اجتماعية دفعت أثماناً هائلة، فيما التسويات الإقليمية ذهبت إلى ملفات أوسع من لبنان بكثير.


المشهد الحالي يوحي بأن هناك من يفضّل استمرار الاستنزاف على قبول تسوية تقودها الدولة اللبنانية نفسها. وهذه ربما أخطر نقطة في الأزمة كلها: تحوّل جزء من اللبنانيين إلى رهائن انتظار إقليمي طويل، فيما الوقت على الأرض يُقاس بالدمار اليومي لا بالقطب الديبلوماسية البطيئة.