لم يعد ممكناً فصلُ التقدّم الإسرائيليّ الميدانيّ في جنوب لبنان عن المسار السياسيّ – الأمنيّ الذي يُفتتح في واشنطن بين وفدين عسكريَّين لبنانيّ وإسرائيليّ. يتحرّك المشهدان بالتوازي: إسرائيل تتقدّم بالنار نحو منشآت تعتبرها أساسيّة في البنية العسكريّة لـ”الحزب”، فيما تحاول في السياسة فرض قواعد تنسيق أمنيّ جديدة تتجاوز اتّفاق وقف إطلاق النار التقليديّ نحو ترتيبات مباشرة مع الجيش اللبنانيّ.
ad
بحسب معلومات خاصّة بـ”أساس”، لا يُقرأ القصف الإسرائيليّ الذي طال النبطيّة ومحيط صور، بالتوازي مع التوغّلات التي وصلت إلى عليّ الطاهر، كضغط ميدانيّ محدود أو ردّ ظرفيّ، بل كجزء من خطّة أوسع تتدرّج من جنوب الليطاني إلى منطقة “الجبور” بين كفرحونة وجزّين، وصولاً إلى مصانع المسيّرات في البقاع. تقول مصادر أمنيّة لـ”أساس” إنّ إسرائيل “لن تتوقّف قبل الدخول إلى المنشآت الكبرى التي تعتبرها جزءاً من البنية العسكريّة الاستراتيجيّة لـ”الحزب” والعمل بنفسها على تفكيكها”.
تضيف المصادر أنّ عدم دخول القوّات الإسرائيليّة حتّى الآن إلى منشأة عليّ الطاهر لا يعني التراجع عن الهدف، بل إنّ الدخول إلى المنشآت يتقدّم بتوقيت سياسيّ – أمنيّ يتزامن مع اجتماع واشنطن، بما يوحي بأنّ تل أبيب تستخدم التقدّم الميدانيّ كورقة ضغط مباشرة على المفاوضات.
واشنطن: التّنسيق المباشر واختبار الجيش؟
في هذا المناخ، ينعقد اليوم الاجتماع الأمنيّ الأوّل من نوعه في واشنطن بين وفدين عسكريَّين لبنانيّ وإسرائيليّ، وسط رعاية أميركيّة مباشرة. تكشف معلومات “أساس” أنّ الوفد اللبنانيّ تلقّى توجيهات واضحة بالتمسّك بعدّة ثوابت أساسيّة، منها:
1- أولويّة المؤسّسة العسكريّة تبقى حماية السلم الأهليّ والاستقرار الداخليّ، وخصوصاً في ظلّ استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.
اكتشاف المزيد
مراجع جغرافية
العرب وشعوب الشرق الأوسط
سياسي
2- تأكيد أنّ لدى الجيش خطّة لحصر السلاح لا تزال قائمة مع بعض التعديلات، لكنّ تنفيذها لا يمكن أن يحصل تحت النار، بل بعد تثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل.
تشير المعلومات إلى أنّ الوفد سيشدّد أيضاً على أنّ الجيش يحتاج إلى دعم عسكريّ وتقنيّ واسع لأنّ الإمكانات الحاليّة لا تكفي لتنفيذ مهمّات شديدة الحساسيّة كتفكيك المتفجّرات والمنشآت العسكريّة، وهو ما أثبته سقوط شهداء في صفوف الجيش خلال عمليّات التفكيك جنوب الليطاني.
لكنّ العقدة الأساسيّة، وفق مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس”، ستكون في الطلب الإسرائيليّ المتوقّع لإنشاء لجنة تنسيق مباشر بين الجيشين اللبنانيّ والإسرائيليّ، وهو مطلب قديم لتل أبيب يهدف إلى نقل العلاقة الأمنيّة من إطار الوساطة الدوليّة واللجان التقليديّة إلى مستوى تنسيق مباشر وثابت.
ترى المصادر أنّ هذا الطرح يتجاوز البعد التقنيّ أو الأمنيّ، ويحمل أبعاداً سياسيّة حسّاسة داخليّاً، لأنّه يضع المؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة أمام اختبار بالغ الدقّة بين ضرورات ضبط الوضع الأمنيّ وضغوط التطبيع الأمنيّ غير المباشر.
إسرائيل مستمرّة بتقدّمها الميدانيّ… حتّى نزع السّلاح
بحسب معطيات “أساس”، تتعامل إسرائيل مع المفاوضات الحاليّة باعتبارها مساراً موازياً للعمل العسكريّ لا بديلاً عنه. لذلك العمليّات الميدانيّة مرشّحة للاستمرار، سواء حصل تقدّم تفاوضيّ أم لا، لأنّ الهدف الإسرائيليّ المعلن وغير المعلن يبقى الوصول إلى نزع السلاح وتفكيك البنية العسكريّة لـ”الحزب”.
اكتشاف المزيد
سياسِيٌّ
سياسيًا
سياسي
تكشف المعلومات في هذا السياق أنّ الوفد اللبنانيّ أُبلغ بضرورة الردّ على أيّ ضغوط أميركيّة أو إسرائيليّة تطالب الجيش بحصر السلاح بالقوّة عبر التأكيد أنّ إسرائيل نفسها، بكلّ تفوّقها العسكريّ والتكنولوجيّ، لم تستطِع حتّى الآن إنهاء سلاح “الحزب”، فكيف يمكن تحميل الجيش اللبنانيّ هذه المهمّة خلال أشهر قليلة ومن دون غطاء سياسيّ وداخليّ شامل؟
تعتبر أوساط عسكريّة أنّ أيّ محاولة لدفع الجيش إلى مواجهة مفتوحة من هذا النوع ستعني عمليّاً استنزاف المؤسّسة العسكريّة واستنزاف لبنان بأكمله، في لحظة يعاني فيها البلد انهياراً ماليّاً وسياسيّاً وأمنيّاً غير مسبوق.
تلفت مصادر دبلوماسيّة لـ”أساس” إلى أنّ أهميّة اجتماع واشنطن لا تتعلّق بمضمونه الأمنيّ فقط، بل بما سيتركه من انعكاسات على الداخل اللبنانيّ، وخصوصاً على موقع قائد الجيش العماد رودولف هيكل. نتائج الاجتماع قد تعيده إلى “دائرة خطر الإقالة” إذا تمسّك بتثبيت معادلة حماية الاستقرار ورفض الانزلاق إلى مواجهة داخليّة على حساب حصر السلاح، أو قد تدفعه إلى “دائرة خطر المواجهات الداخليّة” إذا فُسّر أيّ تنازل على أنّه قبول بشروط إسرائيليّة أو أميركيّة تتجاوز قدرة المؤسّسة العسكريّة وحدود دورها.
في الخلاصة، بينما ثبّتت إسرائيل معادلة التفاوض تحت النار من عليّ الطاهر إلى جبل الريحان والبقاع، تتحوّل واشنطن إلى غرفة اختبار للتوازنات اللبنانيّة الدقيقة. بين الضغط العسكريّ ومحاولات فرض التنسيق الأمنيّ المباشر، يقف الجيش اللبنانيّ أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسيّة منذ سنوات. كيف سيتعامل مع مطلب التطبيع الأمنيّ مع الجيش الإسرائيليّ بالتوازي مع محافظته على الاستقرار الداخليّ من دون أن يتحوّل إلى طرف في حرب نزع السلاح التي تريدها إسرائيل، ومن دون أن يتحوّل إلى شريك في معادلة السلاح غير الشرعيّ؟

