صحافة

لبنان بين نار الجنوب ومفاوضات البنتاغون.. بعبدا تحدد الخطوط الحمر وسَلام يعلن معادلة الرد الحازم



بين أجواء من التصعيد العسكري الاسرائيلي المتفلت من كل قيود، معتمداً الضوءَ الاخضرَ الأميركي مَساراً متدحرِجاً لتوسيع بنك أهدافِه وتبديل واقع المَيدان جنوباً من صور الى النبطية والاستهدافُ المفاجئ في الشويفات عند أطرافِ ضاحيةِ بيروتَ الجنوبية، وعلى هذه المستجدات تسعى اسرائيل لتكريسِ واقعٍ جديد يمنحُها قدرةً أكبرَ على فرض شروطِها مستفيدة من الَّلعِب في هامشٍ أميركيٍّ يلزمها تحييدِ العاصمة بيروت والضاحيةِ الجنوبية ومُنشآتِ الدولة نتيجةَ الاتصالاتِ المكثفة لرئيسِ الجمهورية جوزاف عون معَ الجانبِ الأميركي، وبين عدمِ ممانعةِ واشنطن استمرار اسرائيل في الاغتيالات عبر تنفيذ عملياتٍ موضِعية أينما كان على قاعدة الدفاع عن النفس، وبين أجواء الترقب الدولي لكلمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب النهائية تجاه انعطافة دبلوماسية إسلام آباد وما أشيع عن اتفاق بين واشنطن وطهران، تتجه الأنظار إلى أروقة البنتاغون الأميركي، حيث تنطلق المفاوضات العسكرية الشاقة بين الوفد اللبناني برئاسة العميد الركن هادي حاطوم وعضوية ضباط من مديرية المخابرات والغرفة العسكرية، والوفد الإسرائيلي المقابل برعاية القيادة العسكرية الأميركية. 

وسيركزُ الجانبُ اللبناني بشكل أساسي على ضرورة وقفِ اطلاق النار وتثبيتِه قبل الانتقالِ الى أيِّ بحثٍ آخر، بعد أن كانت تكثفت خلال الساعات الماضية على مستويات سياسية وعسكرية وأمنية، التحضيرات والإتصالات بين بعبدا وواشنطن، في ضوء توجيهات رئيس الجمهورية وضرورة التمسك بالثوابت الوطنية والسيادية، ورفض أي محاولة لفرض وقائع ميدانية أو سياسية جديدة تحت ضغط النار. وتشير المعطيات إلى أن جدول الأعمال سيتناول عنوان الوقف الفوري لإطلاق النار، وترسيم النقاط الخلافية، وآليات تثبيت التهدئة، إنطلاقا من إتفاقية 2024، إضافة إلى البحث في الضمانات الأميركية المطلوبة لمنع تكرار الخروق الإسرائيلية. كما سيشدد الوفد اللبناني على ضرورة إلزام العدو بتنفيذ تعهداته السابقة ووقف سياسة الاغتيالات والاستهدافات التي باتت تهدد الاستقرار الداخلي اللبناني بشكل مباشر.

وكان رئيس الجمهورية حمّل الوفد اللبناني قبل سفره جملة من التوجيهات الصارمة لخصت بما يلي: "التركيز على الوقف الفوري لإطلاق النار كشرط للدخول في أي مفاوضات، وأن سيادة لبنان برّاً وبحراً وجوّاً ليست مادة للمساومة أو التفاوض، وأي اتفاق لا يضمن الانسحاب الكامل وغير المشروط من أراضينا وتثبيت حدودنا الدولية وفق القرارات الأممية هو اتفاق ولِد ميتاً. اذهبوا محصنين بحقوقكم، ولا تقبلوا بأي إملاءات تمس بكرامتنا الوطنية، فالمقاومة الدبلوماسية في البنتاغون لا تقل أهمية عن صمود الجنوبيين."

وفي مقابل المسار التفاوضي، شهد الجنوب والبقاع الغربي تطوراً ميدانياً لافتاً خلال الساعات الأخيرة، مع تصاعد وتيرة الغارات الجوية والتوغل الإسرائيلي في مناطق جديدة خارج ما سمي بـ "الخط الأصفر" وما بعد مجرى الليطاني، والحديث عن توسيع العملية العسكرية لتشمل مدينة صور وصولاً الى الزهراني شمالاً والبقاع الغربي شرقاً، في مؤشر إلى انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر حساسية، بحيث أظهرت التطورات الميدانية أن حكومة الاحتلال ماضية في سياسة الضغط العسكري ومحاولة تعديل قواعد الاشتباك، الأمر الذي يضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة على مزيد من التصعيد.

في ضوء هذا الانفجار الميداني المتزامن مع الحراك الدبلوماسي، رأى رئيس الحكومة نواف سلام، أن"لا شيء يمكن أن يبرر الاعتداءات المتواصلة التي تتعرض لها منطقتا صور والنبطية، وتدمير معالمهما التاريخية، والتهديدات المستمرة التي تطال الأهالي الآمنين فيهما". وقال: "إن الدعوات المتكررة للسكان لمغادرة منازلهم وترك أرزاقهم ترقى إلى مستوى العقاب الجماعي الذي تدينه كل الأعراف والشرائع الدولية".

 وأكد سلام أن هذه التطورات تزيد لبنان تمسكاً بضرورة "الوقف الفوري لإطلاق النار، والعمل على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها"، بما يتيح عودة النازحين إلى ديارهم "بأمن وكرامة". وأشار إلى أن لبنان مستمر في "حشد كل الدعم العربي والدولي" لتحقيق هذه الأهداف، مشدداً على أن ذلك "واجب وطني وحق ثابت لن نساوم عليه تحت أي ظرف".

إقليمياً، تتجه الأنظار إلى مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية، بعد المعلومات التي نشرها موقع "أكسيوس" حول اتفاق يُنتظر أن يرفع إلى الرئيس ترامب للتوقيع عليه. وبحسب التسريبات، يتضمن الاتفاق بنوداً مرتبطة بمستويات تخصيب اليورانيوم، وآليات الرقابة الدولية، وتخفيف بعض العقوبات الاقتصادية، مقابل التزامات إيرانية تتعلق بالتهدئة الإقليمية وضبط مسارات التصعيد. إلا أن المشهد لا يزال ضبابياً، خصوصاً بعد تصريحات ترامب الأخيرة التي أبدى فيها عدم رضاه عن مسار التفاوض، مؤكداً أنه لن يقبل إلا "باتفاق مناسب" يضمن المصالح الأميركية بصورة كاملة، ما يفتح الباب أمام تعديلات أو شروط إضافية قد تعرقل الوصول إلى تفاهم نهائي.

ونفى مصدر مقرّب من فريق التفاوض الإيراني ما تردّد في وسائل إعلام غربية بشأن الانتهاء من صياغة مذكرة تفاهم محتملة بين طهران وواشنطن، مؤكداً أن النص "لم يُنجز بعد ولم يتم تأكيده".

وقال المصدر، في تصريحات لوكالة "تسنيم"، إن ما يُتداول عن أن الاتفاق بات جاهزاً وينتظر فقط الإعلان الرسمي من الطرفين "غير صحيح"، مشيراً إلى أن إيران لم تُبلغ حتى الآن الوسيط الباكستاني بانتهاء صياغة النص.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد القلق الخليجي بعد الخروق العسكرية التي طاولت دولة الكويت، في تطور اعتبرته أوساط دبلوماسية مؤشراً خطيراً إلى اتساع رقعة الرسائل العسكرية المتبادلة في المنطقة، وربطت بينه وبين الضغوط المتبادلة على طاولة التفاوض بين واشنطن وطهران.

بين مفاوضات البنتاغون والتصعيد الميداني جنوباً، وبين التفاهمات الأميركية الإيرانية المتعثرة والرسائل العسكرية المتنقلة في الخليج، يقف لبنان مجدداً في قلب العاصفة الإقليمية. مرحلة تختلط فيها الدبلوماسية بالنار، وتتحول فيها كل جلسة تفاوض إلى اختبار توازنات، فيما يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح واشنطن في ضبط إيقاع المنطقة ومنع الانفجار الكبير، أم أن الميدان سبق السياسة وفرض معادلات جديدة تتجاوز قدرة الجميع على الاحتواء؟