محليات

برّي: المسار الأمنيّ لا يعنيني ولا أريد أن أعرف عنه



عشيّة الاجتماع الأوّل لفريق المسار الأمنيّ المنبثق من الجولة الرابعة للمفاوضات المباشرة اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة، الذي سيُعقد اليوم الجمعة، لا يتزحزح الرئيس نبيه برّي عن تأكيد رفضه لكلا المفاوضات المباشرة والمسار الأمنيّ. بكثير من اللامبالاة لا يتردّد في القول إنّه غير مهتمّ بهما: “لا أعرف ماذا سيحدث هناك ولا أريد أن أعرف”.

لا تفسير لموقف رئيس البرلمان، وإن أصرّ على تأكيد أن لا انقطاع للتواصل بينه والرئيس جوزف عون، سوى أنّه في المقلب المعاكس للدولة اللبنانيّة التي اختارت الذهاب إلى كلا الخيارين على الرغم من وطأة الانقسام الداخليّ.

على مرّ أكثر من ثلاثة عقود له في رئاسة البرلمان، لم يسبق مرّة أن وجد برّي نفسه في تناقض كهذا. تصرّف دائماً على أنّه الحصان الذي يجرّ عربة الدولة اللبنانيّة: إمّا مع رئيسَي الجمهوريّة والحكومة أو مع أحدهما بلا قطيعة مع الآخر كحاله مع الرؤساء الثلاثة الياس الهراوي وإميل لحّود وميشال سليمان، وإمّا عارض رئيس الجمهوريّة بضراوة وهادن حكومات عهده كما كانت الحال مع الرئيس ميشال عون.

في أفضل الأحوال كان في وسع رئيس المجلس تغيير رياح نصف الدولة اللبنانيّة على الأقلّ في المراحل كلّها. يخوض الآن تجربة غير مسبوقة حيث هو، في الواقع، على طرف نقيض مع رئيسَي الجمهوريّة والحكومة معاً، ولا يتولّى جرّ العربة، بل يتركها تجرّ نفسها بنفسها. فوق ذلك، الانفصال بسبب الموقف من إسرائيل بالذات وليس بسبب أيّ شأن داخليّ كما في حالات شتّى منصرمة. ثالثة الأثافي أن تكون طائفته برمّتها منكوبة نازحة، ولا يتردّد في الاعتراض على بعض ما يفعله “الحزب”.

المفاوضات هي المعضلة

المفاوضات المباشرة مع إسرائيل هي المعضلة. سيُسمع رفض برّي لها بصوت عال، لكن سيُسمع صوته عالياً أيضاً عندما يأخذ على الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم قوله، في كلمة الأحد الفائت 25 أيّار، “ما لا يُفترض أن يقوله” حين هدّد قاسم ولمّح إلى إسقاطه الحكومة في الشارع.

إذا سُئل برّي ماذا يتوقّع من جلسة المسار الأمنيّ الجمعة، يجيب أنّه غير معنيّ إلّا بالنازحين ومعالجة مأساتهم. جاء إليه في تلك اللحظة مَن يخبره أنّ إسرائيل أنذرت بين مساء الثلاثاء وبعد ظهر الأربعاء 81 بلدة في قضاء صور لإخلائها فوراً بينما أضحت النبطيّة مدينة منكوبة. أُخطِر أيضاً بطلب إخلاء المخيّمات الفلسطينيّة الخمسة في قضاء صور (الرشيديّة والبرج الشماليّ والبصّ والمعشوق وجلّ البحر) من سكّانها بغية دفعهم إلى الشمال ومضاعفة عبء النزوح بمئة ألف فلسطينيّ على مناطق أصبحت بالكاد قادرة على استيعاب النازحين اللبنانيّين.

يقول: “أعرف أنّ الذين يجلسون إلى الطاولة (في واشنطن الجمعة) 3 x 3 x 3.  ثلاثة عسكريّين لبنانيّين وثلاثة إسرائيليّين وثلاثة أميركيّين. لا أعرف ولا يعنيني أن أعرف ماذا يحمل الوفد اللبنانيّ معه ولا أريد أن أعرف. أطلب وقفاً لإطلاق النار فقط، ولا شيء آخر لدينا. توصّلنا إلى اتّفاق لوقف إطلاق النار أربع مرّات لم يُحترم في أيّ منها ونحن الآن في هدنة الـ45 يوماً بلا وقف لإطلاق النار، بل راحت الحرب تشتعل أكثر وتدمّر البلدات على مرأى ممّن يفترض أنّه كان هو الضامن. لسوء الحظّ ليس لدينا الآن ضامن”.

يضيف برّي: “أنا ضدّ المفاوضات المباشرة. كنت كذلك وسأظلّ لأنّنا نذهب إليها ولا نحمل معنا ما نفاوض به. مَن يجلس إلى طاولة تفاوض يقتضي أن يملك أوراق يطرحها كي يتمكّن من انتزاع مكسب، ومن الجلوس مع عدوّ بحدّ أدنى من التكافؤ والتوازن. بماذا نذهب إلى هناك؟ لا شيء ولا ورقة واحدة حتى”.

أهمّيّة الوساطة

يقول أيضاً: “ذلك هو السبب الذي حملني دائماً على المطالبة بمفاوضات غير مباشرة. جرّبتها مرّتين مع إسرائيل. الأولى عام 2022 في مفاوضات الترسيم البحريّ. عشرات المرّات أتى الوسيط الأميركيّ إليّ وذهب إلى الإسرائيليّ ينقل الشروط والأفكار إلى أن توصّلنا إلى الترسيم البحريّ. عام 2024 حصل الأمر نفسه. خلال شهرين ونصف شهر كان الوسيط الأميركيّ يأتي إليّ ويذهب إلى إسرائيل ثمّ يعود إلى أن توصّلنا إلى وقف لإطلاق النار”.

يضيف: “في المرّتين لم نجلس مع إسرائيل إلى طاولة واحدة. تعطي باكستان اليوم أسطع دليل على أهميّة الوسيط في حلّ النزاعات. ليست أقوى من الأميركيّين ولا أقوى من الإيرانيّين، إلّا أنّها نجحت حتّى الآن في التوسّط بينهما وإدارة مفاوضاتهما على نحو غير مباشر بموافقتهما، وفي تولّي نقل المقترحات والمسوّدات ومشاريع الاتّفاق. للوسيط، أيّ وسيط، مصلحة في إنجاح مهمّته بانتزاع مكاسب من الطرفين وفرض تنازلات عليهما. ذلك ما لا نفعله الآن، بل نذهب إلى مفاوضات مباشرة خالي الوفاض. ماذا نتوقّع إذاً؟”.

منع أيّ تدهور داخليّ

يكرّر التأكيد أنّ “ما يهمّني في الوقت الحاضر وأتدخّل فيه هو منع أيّ تهوّر أو مشكلة في الداخل. لست مهتمّاً إلّا بذلك”، قبل أن يُسجّل مأخذاً سلبيّاً على تلويح الأمين العامّ لـ”الحزب” بإسقاط حكومة الرئيس نوّاف سلام في الشارع الأحد الفائت: “لست معه ولا أوافق عليه ومن غير الضروريّ أن يقال هذا الكلام. لم يُرِحني ولملمنا الموضوع بسرعة. عقدت قيادتا حركة أمل و”الحزب” اجتماعين في اليومين التاليَين لتصويب هذا الموقف. في حركة “أمل” لا نقول كلاماً كهذا وليست لغتنا ولست حتماً معه”.

يصرّ رئيس المجلس على التعويل على موقف إيران وضغوطها لفرض وقف إطلاق النار في الجنوب بالقول إنّه “البند الثاني في كلّ اتّفاق تعقده مع الأميركيّين”، متحدّثاً عن “التزامات قطعتها على نفسها وأكّدتها لنا ومفادها أنّها لن تبرم اتّفاقاً ليس لبنان بنداً رئيساً فيه وإن اضطرّت إلى التخلّي عن الاتّفاق برمّته”.

المصدر: أساس ميديا

الكاتب: نقولا ناصيف