بقلم حبيب عبّود - كندا
قد تبدو المقارنة بين دكان صغير في قرية لبنانية وحزب سياسي تاريخي مقارنة غير مألوفة، إلا أن التمعّن في طبيعة العمل اليومي لكليهما يكشف عن أوجه شبه لافتة تتجاوز اختلاف الأهداف والحجم والدور. فكما يعيش الدكان على ثقة زبائنه وعلاقاته معهم، يعيش الحزب على ثقة جمهوره وقدرته على المحافظة على شبكة من العلاقات والخدمات والولاءات التي تؤمّن له الاستمرار والتأثير.
في الحالتين، تُعدّ الثقة رأس المال الأهم. فالزبون يعود إلى الدكان الذي يثق بصاحبه، والمناصر يبقى قريباً من الحزب الذي يشعر أنه يمثّل تطلعاته ويهتم بشؤونه. لذلك لا تُبنى العلاقة على المبادئ المعلنة فقط، بل أيضاً على التجربة اليومية والتفاعل المباشر والإحساس بالانتماء.
كما أن إدارة التفاصيل اليومية تشكل العامل الحاسم في النجاح. فصاحب الدكان الناجح هو من يعرف احتياجات زبائنه، ويتابع مخزونه، ويوازن بين الربح والخدمة. والحزب الناجح هو من يحسن تنظيم قواعده، ويستثمر موارده بكفاءة، ويستجيب للتحولات الاجتماعية والسياسية، ويعالج مشكلاته الداخلية قبل أن تتحول إلى أزمات.
غير أن المقارنة تصبح أكثر إثارة للاهتمام عندما ننظر إلى العلاقة بين الأحزاب المتقاربة فكرياً أو أيديولوجياً. فمن الناحية النظرية، يُفترض أن الأحزاب التي تنطلق من مرجعية فكرية واحدة أو من أهداف وطنية متشابهة تكون أقرب إلى التعاون والتنسيق من غيرها. إلا أن الواقع اللبناني، كما في كثير من المجتمعات، يُظهر أن أشد المنافسات غالباً ما تنشأ بين القوى المتشابهة أكثر مما تنشأ بين القوى المتباعدة.
والسبب في ذلك أن الصراع ينتقل تدريجياً من مستوى الفكرة إلى مستوى النفوذ. فعندما تطغى «عقلية الدكان» على العمل السياسي، يصبح الهمّ الأساسي حماية الحصة الخاصة، والحفاظ على الزبائن، ومنع انتقالهم إلى الجهة المنافسة. عندها لا يعود الحزب ينظر إلى الحزب القريب منه فكرياً كشريك محتمل في مشروع مشترك، بل كمنافس مباشر على الجمهور نفسه والموارد نفسها والقيادات نفسها.
وهنا تتجلى صورة القرية الصغيرة التي تضم عدة دكاكين متجاورة. فجميعها تبيع البضائع نفسها تقريباً، وتخاطب الزبائن أنفسهم، وتسعى إلى اجتذاب الحصة ذاتها من السوق. لذلك يصبح التنافس بينها أكثر حدة من التنافس مع متجر بعيد أو مختلف النشاط. وكل نجاح يحققه أحدها يُنظر إليه باعتباره خسارة للآخرين. ومع مرور الوقت، قد يتحول التنافس الطبيعي إلى حالة من الشك المتبادل والحساسيات الشخصية ومحاولات إثبات التفوق، رغم أن المصلحة العامة قد تكون في التعاون أو التكامل.
الأمر نفسه قد يحدث داخل الحياة الحزبية. فالأحزاب المتقاربة في الرؤية قد تجد نفسها في صراع دائم على التمثيل والزعامة والانتشار الشعبي، فتستهلك جزءاً كبيراً من طاقتها في منافسات داخل البيئة الواحدة بدلاً من توجيه هذه الطاقة نحو تحقيق الأهداف التي تدّعي الدفاع عنها. وعندما تتقدم حسابات التنظيم على حسابات المشروع، وحسابات الحصة على حسابات الرسالة، يصبح الانقسام أقرب من الوحدة، والتنازع أقوى من التعاون.
من هنا يمكن القول إن التحدي الحقيقي لأي حزب تاريخي لا يكمن فقط في مواجهة خصومه السياسيين، بل أيضاً في التحرر من عقلية الدكان التي تختزل العمل العام في الدفاع عن الحصة الخاصة. فكلما ارتفع مستوى التفكير من منطق «الزبون» إلى منطق «المواطن»، ومن منطق «الحصة» إلى منطق «المشروع»، ازدادت فرص التعاون بين القوى المتقاربة وتعززت قدرتها على خدمة المجتمع وتحقيق أهدافها الكبرى.
وفي النهاية، كما أن ازدهار القرية لا يتحقق من خلال حرب مفتوحة بين دكاكينها، بل من خلال تنوعها وتكامل أدوارها، فإن قوة الحياة السياسية لا تُقاس بعدد الخصومات داخل البيئة الواحدة، بل بقدرة القوى المتشابهة على إدارة اختلافاتها ضمن إطار من التعاون والتنافس الصحي، بعيداً عن منطق الاحتكار والخوف من الآخر. فالدكان قد ينجح بمنطق الزبائن، أما الأحزاب التاريخية فلا تستمر إلا بمنطق الرؤية والمؤسسة والمصلحة العامة.
