بقلم المحامي كميل حبيب معلوف
في زمنٍ تتهاوى فيه الجدران وتُهدم البيوت، يتهاوى معها أحيانًا أعمق ما يملكه الإنسان: خصوصيته وحقه في أن يختلي بألمه بعيدًا عن أعين المتطفلين.
إن المشهد الأكثر قسوة ليس فقط الغبار المتصاعد من الأبنية المنهارة، بل تلك العدسات الرقمية التي تُشرّع على جراح الضحايا وتحوّل لحظة الانكسار إلى مادة استهلاك جماعي.
هنا يتجلّى القانون لا كنصوص جامدة، بل كفلسفة أخلاقية تحمي الكرامة الإنسانية وتكرّس الحق في “العزلة الأخيرة”، وهو الحق الذي صاغه الفكر القانوني الحديث منذ مقولة صامويل وارن ولويس براندايس في الولايات المتحدة عام ١٨٩٠، وتبنّته اجتهادات القضاء اللبناني في محاكم جبل لبنان وبيروت حين اعتبرت أن مجرد التقاط الصور الحساسة دون رضا هو جرم مستقل يمسّ حرمة الجسد والحياة الخاصة حتى لو لم يُنشر علنًا.
هذه الفوضى الرقمية التي ترافق الأزمات تُظهر الحاجة الملحّة لإقرار اقتراح القانون الرامي إلى حماية الحياة الخاصة، ليكون درعًا إنسانيًا يمنع تحويل المآسي إلى محتوى مستباح، خاصة وأن قانون العقوبات اللبناني ومبادئ المسؤولية التقصيرية تمنح المتضررين حق الملاحقة والمطالبة بتعويضات جسيمة.
إن فلسفة الحق هنا ليست ترفًا نظريًا، بل معركة وعي إنساني وقانوني، لأن البيوت التي سقطت جدرانها تظل حرمتها مصانة بالحق والأخلاق، وإذا عجزنا عن إعادة بناء السقوف، فلا نسمح بهدم ما تبقى من كرامة الإنسان الذي عاش تحتها.
