بقلم المحامي يوسف بهاء الدويهي
لا تواجه الدول أزماتها الكبرى عندما تتعرض لعدوان خارجي فحسب، بل عندما تجد نفسها عاجزة عن بناء إجماع وطني حول كيفية مواجهة هذا العدوان. وفي لبنان، تتقاطع اليوم أزمتان متلازمتان: استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، واستمرار الانقسام الداخلي حول شرعية أدوات الدفاع عن السيادة وحدودها.
لا يُطرح السؤال حول من يملك شرعية الدفاع عن الأرض عندما تتعرض السيادة الوطنية للانتهاك كمسألة نظرية أو أكاديمية، بل كإشكالية سياسية وقانونية يومية فرضتها الوقائع الميدانية المتكررة منذ عقود. فمع كل اعتداء أو توغل عسكري جديد، يعود النقاش حول الجهة التي تملك شرعية الدفاع عن الوطن، وقدرة الدولة على القيام بهذه المهمة بمفردها، وحول موقع المقاومة في ظل استمرار التهديدات الخارجية.
فالواقع الذي يعيشه الجنوب اللبناني لم يعد يقتصر على مواجهات عسكرية محدودة أو اشتباكات حدودية متفرقة. فمنذ اندلاع الحرب، شهدت مناطق واسعة عمليات قصف وتدمير وتهجير طالت آلاف العائلات اللبنانية، فيما استمر الوجود العسكري الإسرائيلي في عدد من النقاط داخل الأراضي اللبنانية رغم ترتيبات وقف إطلاق النار. ولم تتوقف العمليات العسكرية عند هذا الحد، بل شهدت الأسابيع الأخيرة توسعاً في التوغلات البرية وعمليات تدمير ممنهج لقرى وممتلكات مدنية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة أسئلة السيادة والدفاع والقدرة على حماية المواطنين والأرض.
إن إدانة هذه الممارسات لا تحتاج إلى انتماء سياسي أو أيديولوجي معين، لأن مبدأ احترام سيادة الدول وعدم جواز احتلال الأراضي بالقوة يشكل أحد الأسس الراسخة في القانون الدولي. كما أن حماية المدنيين ورفض التهجير القسري والتدمير غير المبرر للممتلكات ليست مواقف سياسية ظرفية، بل مبادئ قانونية وأخلاقية يفترض أن تحظى بإجماع يتجاوز الانقسامات الداخلية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن جزءاً من الأزمة اللبنانية يرتبط بطبيعة الواقع الداخلي نفسه. فقد أدى تفرد حزب الله في محطات عديدة باتخاذ قرارات مصيرية مرتبطة بالحرب والسلم، كما أدى ارتباط خياراته الاستراتيجية بحسابات إقليمية تتجاوز الإطار اللبناني، إلى تعميق الانقسام الداخلي وإضعاف الإجماع الوطني حول مفهوم المقاومة ودورها ومستقبلها. كما أن الحزب، رغم حضوره العسكري والشعبي، لم يتمكن من التحول إلى مشروع وطني جامع يلتف حوله اللبنانيون بمختلف انتماءاتهم السياسية والطائفية، الأمر الذي أبقى قضية الدفاع الوطني موضع انقسام دائم بدل أن تتحول إلى قضية وطنية جامعة.
غير أن الإقرار بهذه الحقيقة لا يجب أن يقود إلى استنتاج مضلل مفاده أن ما تتعرض له الأراضي اللبنانية يصبح أمراً مبرراً أو مشروعاً. فالمسؤولية السياسية التي يمكن تحميلها لحزب الله بسبب خياراته الإقليمية أو بسبب تفرده بقرارات مصيرية لا تلغي مسؤولية إسرائيل عن استخدام القوة العسكرية داخل الأراضي اللبنانية. فالقانون الدولي لا يمنح أي دولة حقاً مفتوحاً في التوغل العسكري أو فرض مناطق عازلة أو تغيير الوقائع الميدانية بالقوة تحت ذرائع أمنية. كما أن الدعم الأميركي السياسي والعسكري لإسرائيل لا يحول هذه الممارسات إلى أفعال مشروعة بمجرد تبنيها من قوة عظمى.
صحيح أن إسرائيل تبرر عملياتها العسكرية باستهداف حزب الله وبنيته العسكرية، غير أن وجود مبرر أمني أو هدف عسكري معلن لا يعفي أي دولة من التزاماتها القانونية. فالقانون الدولي الإنساني يفرض قيوداً واضحة على استخدام القوة، ويُلزم الأطراف المتحاربة باحترام مبادئ التناسب والضرورة والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين. وبالتالي فإن الادعاء باستهداف بنية عسكرية لا يشكل تفويضاً مفتوحاً لتدمير القرى أو تهجير السكان أو فرض وقائع جديدة على الأرض بالقوة.
من هنا، فإن اختزال الأزمة اللبنانية في مواجهة بين مؤيد لحزب الله ومعارض له لا يساعد على فهم جوهر المشكلة. فلبنان يواجه في الوقت نفسه أزمتين مترابطتين: أزمة سيادة داخلية ناجمة عن تعدد مراكز القرار الاستراتيجي، وأزمة سيادة خارجية ناجمة عن استمرار الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية للأراضي اللبنانية. والخطأ يكمن في استخدام إحدى الأزمتين لتبرير الأخرى.
إن وجود حزب الله لا يبرر تدمير القرى اللبنانية، كما أن تدمير القرى اللبنانية لا يلغي النقاش المشروع حول دور حزب الله وعلاقته بالدولة. وإدانة التفرد بالقرار الوطني لا تعني القبول بالعدوان الخارجي، كما أن رفض العدوان لا يعني الامتناع عن مناقشة أسباب الضعف الداخلي التي سمحت باستمرار هذا الواقع.
لقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن لبنان يدفع ثمن غياب استراتيجية وطنية جامعة للدفاع والسيادة. فالدولة ما زالت عاجزة عن احتكار القرار الدفاعي بصورة كاملة، فيما لا تستطيع أي قوة حزبية، مهما بلغت إمكاناتها، أن تتحول بمفردها إلى بديل عن الدولة أو إلى إطار وطني جامع لكل اللبنانيين.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين الدولة والمقاومة، بل في بناء دولة قادرة على حماية أرضها ومواطنيها وسيادتها، دولة تمتلك وحدها قرار الدفاع عن الوطن وتحظى في الوقت نفسه بثقة اللبنانيين جميعاً. فالدولة القوية لا تُبنى بالتغاضي عن الاعتداءات الخارجية، كما لا تُبنى بتجاهل الانقسامات الداخلية، بل بمعالجة الأمرين معاً ضمن رؤية وطنية واحدة.
إن أخطر ما يواجهه لبنان ليس فقط استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على أرضه وسيادته، ولا فقط الانقسام الداخلي حول وسائل الدفاع ومرجعيات القرار الوطني، بل تحوّل هذين الواقعين إلى حالة دائمة يتعايش معها اللبنانيون وكأنها قدر لا يمكن تغييره.
فالدولة السيدة ليست بقدرتها على إعلان سيادتها، بل بقدرتها على حمايتها. والسيادة لا تكتمل بوجود مقاومة تواجه العدوان، كما لا تكتمل بمجرد وجود مؤسسات دستورية عاجزة عن فرض قراراتها. السيادة الحقيقية تتحقق عندما تصبح الدولة نفسها قادرة على حماية حدودها ومواطنيها، وتحظى في الوقت ذاته بثقة شعبها وإجماعه.
وإلى أن تنجح الدولة اللبنانية في بناء هذه المعادلة، سيبقى لبنان يعاني بين عدوان خارجي يجد في انقسامه فرصة دائمة للضغط عليه، وانقسام داخلي يجد في العدوان سبباً إضافياً لاستمرار خلافاته. وبين هذين الواقعين، يبقى المواطن اللبناني وحده من يدفع الثمن، أمناً واستقراراً ومستقبلاً.
