تسعى الولايات المتحدة إلى تغيير قواعد المواجهة مع الطائرات المسيّرة، بعدما كشفت الحروب الحديثة أن استخدام صواريخ باهظة الثمن لاعتراض أهداف منخفضة التكلفة لم يعد خيارًا اقتصاديًا أو عمليًا.
وخلال تدريبات عسكرية أُجريت في الفلبين، استعرض سلاح مشاة البحرية الأميركي منظومة دفاع جوي جديدة تُعرف باسم "ماديس" (MADIS)، تعتمد على المدافع والذخائر الذكية والحرب الإلكترونية لإسقاط الطائرات المسيّرة، بتكلفة تقل كثيرًا عن تكلفة الصواريخ التقليدية.
وبعد عدة محاولات، نجحت المدافع المثبتة على المركبات التكتيكية في إصابة الهدف، لتسقط الطائرة في البحر، وفقًا لصحيفة "وول ستريت جورنال".
وقال الرقيب أول نوح كوني تعليقًا على التجربة: "أخطأنا بعض الطلقات، لكنها في النهاية انتهت في الماء".
وتُظهر هذه المناورات كيف تحاول واشنطن معالجة واحدة من أبرز معضلات الحروب الحديثة، وهي كيفية إسقاط طائرات مسيّرة لا تتجاوز قيمتها عشرات الآلاف من الدولارات، دون اللجوء إلى صواريخ قد تصل تكلفة الواحد منها إلى مليون دولار.
ما هي منظومة "ماديس"؟
تتكون منظومة "ماديس" من مركبتين تكتيكيتين خفيفتين تُعدان الجيل الأحدث من مركبات "هامفي".
وتضم المنظومة:
رادارًا متطورًا لرصد وتتبع الأهداف الجوية.
صواريخ "ستينغر" المضادة للطائرات.
أنظمة حرب إلكترونية للتشويش على المسيّرات.
مدافع ورشاشات مزودة بذخائر حديثة مخصصة لمكافحة الطائرات بدون طيار.
ويمنح هذا التنوع القادة العسكريين خيارات متعددة للتعامل مع التهديدات الجوية وفقًا لطبيعة الهدف وتكلفة الاعتراض.
ذخيرة ذكية تقلل التكاليف
من أبرز مزايا المنظومة اعتمادها على قذائف عيار 30 ملم مزودة بصاعق تقاربي، يسمح بانفجار القذيفة بمجرد اقترابها من الهدف، ما يقلل الحاجة إلى إصابة مباشرة.
ورغم أن هذه القذائف أقل دقة من الصواريخ، فإنها توفر ميزة اقتصادية كبيرة. فبحسب تقديرات خبراء الذخيرة، حتى لو احتاج إسقاط طائرة مسيّرة إلى خمس طلقات، فإن التكلفة الإجمالية لن تتجاوز نحو 11 ألف دولار، مقارنة بمئات الآلاف أو حتى مليون دولار عند استخدام بعض الصواريخ الاعتراضية.
وتعتمد الولايات المتحدة وحلفاؤها في الشرق الأوسط على مزيج من الطائرات المقاتلة والمروحيات والصواريخ لاعتراض المسيّرات الإيرانية، إلا أن هذه الوسائل غالبًا ما تكون باهظة الثمن.
وتبلغ تكلفة صاروخ AIM-120 نحو مليون دولار، فيما قد تصل تكلفة صاروخ "ستينغر" إلى حوالي 430 ألف دولار. أما الطائرة الاعتراضية "كويوت" المستخدمة في بعض عمليات الدفاع الجوي، فتتراوح تكلفتها بين 100 و125 ألف دولار.
في المقابل، تُقدر تكلفة الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز "شاهد" بنحو 30 ألف دولار فقط، بينما تتراوح أسعار المسيّرات الرباعية الصغيرة بين 1500 و5000 دولار.
استعداد لمواجهة محتملة في آسيا
يرى سلاح مشاة البحرية الأميركي أن قدرة منظومة "ماديس" على الحركة السريعة تمنحها أهمية خاصة في أي مواجهة مستقبلية محتملة بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، سواء حول تايوان أو في بحر الصين الجنوبي.
لكن التحدي لا يقتصر على تطوير هذه الذخائر، إذ تواجه الشركات الأميركية صعوبة في زيادة إنتاج الصمامات التقاربية المستخدمة فيها، مع ارتفاع الطلب العسكري عليها.
وقد أعلنت شركات دفاع أميركية كبرى، بينها "نورثروب غرومان" و"إل 3 هاريس"، أنها توسع قدراتها التصنيعية لتلبية الطلب المتزايد على هذا النوع من الذخائر.
وخلال التدريبات الأخيرة في الفلبين، استخدم المارينز عشرات الطلقات التدريبية لاستهداف أنواع مختلفة من الطائرات المسيّرة، سواء الهجومية أو الاستطلاعية.
وقال الرقيب نوح كوني إن المدفع عيار 30 ملم استُخدم ضد الأهداف الأكبر، بينما جرى الاعتماد على المدفع الأصغر ذي معدل الإطلاق المرتفع للتعامل مع الأهداف الصغيرة.
وأضاف: "هناك أنواع كثيرة جدًا من الطائرات المسيّرة، ولا يمكنك التنبؤ بدقة بما ستواجهه. لذلك تذهب إلى الميدان بكل ما لديك، وتأمل أن تكون مستعدًا للأسوأ".
وفي ختام المناورات، أطلق الجنود صاروخ "ستينغر" على إحدى الطائرات المسيّرة، ليُسقطها من أول محاولة، في مشهد يلخص فلسفة المنظومة الجديدة: استخدام السلاح المناسب وفق طبيعة التهديد وكلفته.
القدس
