خاص

خاص: كميل معلوف - إلى زملائي المحامين في لبنان.. رسالة في الصمود الأسطوري الذي لا يراه أحد



بقلم المحامي كميل حبيب معلوف

المحامي اللبناني يعيش اليوم مفارقة عميقة بين الهيبة التي يمنحها الروب الأسود وبين الجرح الصامت الذي يثقل كاهله؛ فشيوخ المهنة الذين شهدوا ذروة القضاء في أزهى عصوره، والشباب الذين يدخلون عالم القانون محمّلين بالطموح، يجدون أنفسهم في مواجهة أزمات متشابكة غيّرت طبيعة المهنة وسياقها الاجتماعي والاقتصادي.

لم يعد الكفاح مقتصراً على إعداد المذكرات ومتابعة الملفات، بل أصبح معركة يومية للحفاظ على الصمود المؤسسي في ظل فاتورة تشغيلية متصاعدة وتكاليف تنقل تلتهم الأتعاب قبل أن تصل إلى الجيب، ومعركة للحفاظ على كرامة المهنة في مواجهة ضغوط لا تهدأ.

هذه الأزمة أذابت الفوارق بين المحامي العتيق والمتدرج الجديد، فالمعاناة باتت واحدة، وهو ما أعاد تشكيل هوية المهنة على أساس الانتماء الجمعي لا التراتبية الفردية. إذ يحمل كل محامٍ في وقت واحد ثقل موكله وعبء استمراريته المهنية، مما يجعل نجاحه شخصياً واجتماعياً في آنٍ معاً، ويمارس القانون في ظروف استثنائية هي بحد ذاتها شهادة على تميّزه.

وفي هذا السياق، تبرز نقابتَا المحامين في بيروت وطرابلس كإطارين ضامنين لاستمرارية الحضور القانوني وصون الكرامة المهنية عبر صندوق الاستشفاء وقرارات شجاعة ترفع الأتعاب وتحصّن الحصانة، رغم الاصطدام بواقع اقتصادي عسير. وعلى الضفة الأخرى يقف القضاة شركاء المحامين في صياغة العدالة بمواجهة تحديات جسيمة للحفاظ على انتظام المرافق القضائية، ليُؤسَّس بذلك لتكامل حقيقي بين جناحي العدالة.

الشهرة الحقيقية في عالم المحاماة لا تُبنى على القضايا الكبرى وحدها، بل على الصمود الأخلاقي، حين يواظب المحامي على الحضور في قصور العدل رغم كل شيء، ويدافع عن موكله المعسر بالجدية ذاتها التي يُعامل بها أثرى عملائه، ويرفض المساومة على المبدأ. بهذا الصمود اليومي غير المُعلَن يصبح المحامي اللبناني الجسر الأخير الذي يصل المواطن بحقه حين تتعطل القنوات الأخرى، فيؤدي وظيفة دستورية وإنسانية تتجاوز الإطار التقني للمهنة لتلامس جوهر العقد الاجتماعي.

وفي المحصلة، العدالة لا تنهض بالقوانين وحدها، بل بالرجال والنساء الذين يحملونها على أكتافهم في أصعب الأزمنة. والمحامي اللبناني بتمسكه برسالته وسط العاصفة يُثبت أن الكرامة المهنية ليست امتيازاً في الرخاء، بل فضيلة تُصنع في الشدة وتتجلى حين يضيق الأفق. وما دام ثمة محامٍ يفتح ملفه في قصور العدل في لبنان، فإن لبنان سيظل بلد الحق، وموئل العدالة، وملاذ الكرامة الوطنية.

إنّ مسيرة المحامي اللبناني اليوم ليست معزولة عن تاريخ لبنان الطويل في مقاومة الظلم والدفاع عن الحرية. كما وقف المحامون بالأمس في وجه الانتداب، وشاركوا في صياغة الدستور، وأسهموا في حماية الحريات العامة، يقفون اليوم في وجه الانهيار الاقتصادي والاجتماعي بذات الروح. هذا الامتداد التاريخي يجعل من المحامي اللبناني وريثاً لنضال وطني عريق، وحاملاً لرسالة تتجاوز حدود المهنة لتصبح جزءاً من هوية لبنان نفسه. إنّ الشهرة التي تُبنى على الكلمة المسؤولة والموقف الشريف هي امتداد لشهرة رجال القانون الذين صنعوا تاريخ هذا البلد، وبها يبقى المحامي اللبناني شاهداً على أنّ العدالة في لبنان ليست مجرد نصوص، بل مسيرة كرامة وصمود تتوارثها الأجيال.