في كل مرة يُفتح فيها ملف تسليح الجيش اللبناني أو الحديث عن تعزيز قدراته، تعود إلى الواجهة لازمةٌ سياسية وإعلامية ثابتة: كيف يمكن الوثوق بجيش تُدار تعييناته وفق توازنات طائفية؟
سؤال يبدو "مشروعا" في ظاهره، لكنه في كثير من الأحيان ليس سوى أداة جاهزة لتثبيت الشك قبل النقاش. المشكلة ليست في طرح السؤال، بل في القفز السريع إلى نتيجة مسبقة: أن الطائفية في التعيين تعني تلقائيًا طائفية في السلوك العسكري.
صحيح أن لبنان بلد طائفي في بنيته السياسية، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها ولا تجميلها. لكن تحويل هذه الحقيقة إلى حكم شامل على المؤسسة العسكرية هو تبسيط خطير. فالمؤسسة لا تُختبر في دفاتر التوازنات، بل في الميدان: في لحظة القتال، في الانضباط، وفي طبيعة القرار عندما يسقط كل شيء آخر.
والأمثلة واضحة، من نهر البارد حيث لم يكن السؤال عن هوية الجندي أو انتمائه الطائفي. الى فجر الجرود، حيث لم تُرسم خطوط العمليات على أساس مذهبي أو مناطقي، والعمليات الأمنية التي قام بها الجيش في بعلبك والهرمل وطرابلس وغيرها من المناطق، لم تنفذها وحدات عسكرية من لون واحد.
حتى في أصعب لحظات التفكك الداخلي، أثبتت المؤسسة العسكرية أنها أكثر تماسكًا من الطبقة السياسية التي تتهمها بالطائفية، وبقيت الحصن الذي يمنع الانهيار الكامل.
لكن الخطير في الخطاب السائد أن كثير ممن يطرحون أسئلة "الولاء" هم أنفسهم من يستفيدون من بقاء الدولة بلا جيش قوي مكتمل الصلاحيات.
والمؤسف اليوم ليس "الخطاب السياسي" فقط، بل في الخطر الصامت الذي يضرب أساس المؤسسة: الانهيار المعيشي.
فجندي يُطلب منه أن يحمي دولة منهكة، بينما هو نفسه يعيش تحت ضغط اقتصادي خانق، ليس تهديده في طائفته، بل في ظروفه. هنا يبدأ التآكل الحقيقي، لا في الشعارات بل في الواقع.
المفارقة أن النقاش حول "طائفية الولاء" يُستخدم أحيانًا لتغطية مشكلة أعمق، وهي أن الدولة نفسها لم تحسم بعد قرارها في تحويله إلى ذراع سيادي كامل. تطلب منه أن يحارب الإرهاب، يضبط الحدود، يواكب الانهيار، ويحفظ الاستقرار الداخلي… وفي الوقت نفسه تمنع تحوله إلى قوة ردع فعلية.
تريده قويًا بما يكفي لمنع الفوضى، وضعيفًا بما يكفي حتى لا يغيّر قواعد اللعبة.
ورغم ذلك، فإن الدفاع عن المؤسسة العسكرية لا يعني إنكار وجود شوائب حقيقية داخل البيئة السياسية التي تتحكم بجزء من مسارها. فالمحاصصة في بعض التعيينات والترقيات، والتدخلات السياسية في الملفات الأمنية الحساسة، كلها عوامل تترك أثرًا سلبياً على صورة المؤسسة وثقة اللبنانيين بها.
فالتدخل السياسي في ملف الترقيات ليس وهماً، وقد أفرز قيادات وصلت بمحاصصة لا بكفاءة. لكن السؤال الجوهري: هل أثّر هذا التدخل يوماً على قرار ميداني؟ التجارب تؤكد عكس ذلك. والفرق بين مؤسسة تعاني من محاصصة في التعيين، ومؤسسة تتصرف طائفياً في الميدان، فرقٌ جوهري لا يجوز تجاهله.
هنا يتم طرح ملف تسليح الجيش وكأنه مشروع يهدف إلى ترجيح كفة فئة على أخرى، بينما إن إضعافه هو التكريس الفعلي لفكرة أمراء الحرب والجيوش الموازية والولاءات المتعددة.
فمن يرفض تسليح الجيش بحجة "الطائفية" أو "الخوف من توزيع النفوذ" لا يطرح السؤال ذاته على السلاح غير الرسمي القائم فعلاً. وهذا التناقض وحده يُثبت أن المشكلة الحقيقية ليست في طائفية الجيش، بل في رفض أي قوة مؤسسية تنافس القوة القائمة خارج الدولة وتغيّر موازين القوة. علما ان الجيش القوي ذو العقيدة الوطنية الواضحة هو الذي يجعل السلاح الموازي مسألةً قابلة للمعالجة السياسية، وإقامة معادلة سيادية جديدة.
هذه المعادلة الداخلية المعقدة لا تقف عند حدود البيئة السياسية اللبنانية، بل تتقاطع مع حسابات دولية تتعامل مع الجيش اللبناني بالقدر ذاته من الحذر والتناقض. فمن جهة، تُجمع العواصم الغربية على اعتباره شريكًا أساسيًا في حفظ الاستقرار ومكافحة الإرهاب. لكن من جهة أخرى، يبقى الدعم العسكري محكوماً بسقف واضح يحدّ من نوعية السلاح وقدراته الردعية.
والرد على هذا القلق لا يكون بإبقاء الجيش ضعيفاً، بل في بناء إطار سياسي يجعل توظيف قوته للوطن واجباً لا خياراً.
فالخوف من القوة لا يُعالَج بتكريس العجز، بل ببناء الضمانات التي تجعل هذه القوة خادمةً للوطن لا أداةً بيد النظام.
في ظل هذا كله، يجد الجيش نفسه عالقاً بين فكَّي كماشة: طبقة سياسية تخشى على نفوذها، وأجندات دولية تريده "شرطياً ناجحاً" للأمن، لا "درعاً حاسماً" للوطن. إن كسر هذا الطوق لا يبدأ بالهبات الخارجية، بل بقرار سيادي وطني يحرر ملف التسليح من قيود "الترضية" الدولية، ووضع سياسة دفاعية واضحة تلزم الجميع.
في النهاية، الخطر على الجيش اليوم ليس في طوائف أفراده، بل في استنزافه المعيشي والسياسي. جندي راتبه ينهار، ودولة تمنعه من امتلاك مقومات القوة، وطبقة حاكمة تريد منه حماية النظام نفسه الذي دمّر البلاد.
الدول لا تُهزم حين تكون متعددة الطوائف، بل حين تعجز عن تحويل مؤسساتها إلى مرجعية أعلى من طوائفها. والسؤال عن انقسام الجيش يبقى في غير محله، لأن الانقسام الحقيقي ليس داخل المؤسسة العسكرية، بل في إصرار البعض على وضع ولاءاتها فوق الدولة وخارجها.
فراس العريضي - نداء الوطن
