ونسأل مع السائلين: لماذا تقدّمت فكرة إعادة الحياة إلى مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات في هذا الظرف الصعب والدقيق، الذي يتعرّض فيه لبنان لأبشع مجزرة تُرتكب في حقّ أهله من قِبل اسرائيل، وهل هذا يعني أن الضاحية الجنوبية لبيروت ومطار الرئيس رفيق الحريري سيكونان عرضة للاعتداء على رغم "الفيتو" الأميركي المرفوع في وجه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وهل يعني هذا الأمر الاستغناء عن مطار بيروت الدولي أو أن يكون بديلًا منه؟
كل هذه الأسئلة وسواها خطرت على بال جميع الذين يضعون أيديهم على قلوبهم ويخشون من الغدر الإسرائيلي حتى ولو كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاسمًا في هذه المسألة مع نتنياهو، بعدما وصفه بـ "المجنون".
لا يمكن النظر إلى قرار افتتاح مطار القليعات، في هذا التوقيت بالذات، على أنه مجرد خطوة إنمائية أو استجابة لمطلب شمالي مزمن، وإن أتت في الخلفية غير الظاهرة كظاهرة إنمائية من شأنها أن تنعش الشمال المحروم اقتصاديًا. ولكن في الوقت ذاته فإن التوقيت بحدّ ذاته هو وحده كافٍ لطرح أكثر من سؤال حول الأبعاد الحقيقية لهذا القرار، خصوصًا أن لبنان يمرّ بمرحلة إعادة رسم لمعادلاته الأمنية والاقتصادية، فيما تشهد المنطقة كلها تحولات استراتيجية قد تكون الأكبر منذ عقود.
ففي الظروف الطبيعية، كان يمكن وضع مشروع القليعات في إطار تعزيز البنية التحتية وتخفيف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي. أما اليوم، فإن المسألة تتجاوز هذا البعد بكثير، لتلامس مفاهيم الأمن القومي، واستمرارية الدولة، وإعادة توزيع المرافق الحيوية على مختلف المناطق اللبنانية.
لقد أثبتت التجارب الأخيرة أن الاعتماد على مرفق جوي وحيد في بلد يعيش على وقع الأزمات والحروب والتهديدات الدائمة يشكل نقطة ضعف استراتيجية. فمنذ اندلاع المواجهات الأخيرة، عاد الحديث بقوة عن ضرورة امتلاك لبنان بدائل عملية تضمن استمرارية الحركة الجوية والتجارية في حال تعرض أي مرفق حيوي للتهديد أو التعطيل. ومن هنا تبرز أهمية القليعات كمطار رديف لا كمنافس لمطار بيروت.
كما أن موقع المطار في أقصى الشمال اللبناني يمنحه بعدًا استراتيجيًا إضافيًا. فهو يشكل بوابة طبيعية نحو الداخل العربي، ويتيح إمكان ربط مناطق الشمال وعكار مباشرة بحركة النقل والسياحة والاستثمار، بعدما بقيت هذه المناطق لعقود طويلة خارج المشاريع الوطنية الكبرى على رغم ما تختزنه من طاقات بشرية واقتصادية واعدة اقتصاديًا، يأتي المشروع في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى أي نافذة أمل. فافتتاح المطار يعني استقطاب استثمارات جديدة، وتأمين فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتحريك قطاعات النقل والسياحة والخدمات، فضلًا عن تعزيز موقع الشمال على الخارطة الاقتصادية اللبنانية. كما يمكن أن يتحول، إذا أحسن استثماره، إلى منصة لوجستية مهمة تخدم حركة الشحن والتبادل التجاري مع الأسواق العربية والدولية.
أما سياسيًا، فإن الرسالة لا تقل أهمية. فالدولة اللبنانية تحاول من خلال هذا المشروع أن تؤكد أنها لا تزال قادرة على التخطيط للمستقبل، وأنها لا تختصر لبنان بمرفق أو منطقة أو مدينة واحدة. كما أن إعادة إحياء مطار القليعات تندرج في سياق أوسع عنوانه تعزيز حضور الدولة في الأطراف وإعادة التوازن الإنمائي بين المناطق.
غير أن البعد الأهم قد يكون أمنيًا واستراتيجيًا. ففي زمن الحروب غير التقليدية والتهديدات المتنقلة، لم يعد وجود مطار واحد كافيًا لدولة تواجه تحديات معقدة. ولذلك تنظر جهات دولية عدة إلى مشروع القليعات باعتباره جزءًا من منظومة تعزيز صمود الدولة اللبنانية وقدرتها على الحفاظ على استمرارية مؤسساتها ومرافقها الحيوية في مختلف الظروف.
ومن هنا، فإن افتتاح مطار الرئيس رينيه معوض لا ينبغي أن يُقرأ فقط كخبر إنمائي أو استثماري، بل كخطوة تحمل دلالات تتصل بمستقبل لبنان نفسه. فبين الحاجة الاقتصادية الملحة، ومتطلبات الأمن القومي، والتحولات الإقليمية المتسارعة، يبدو أن القليعات قد يكون أكثر من مجرد مطار جديد؛ إنه محاولة لإعادة فتح نافذة على المستقبل في زمن تضيق فيه الخيارات أمام اللبنانيين.
ولأن الشيء بالشيء يذكر تعود بي الذاكرة عشرات السنين في الزمن، حيث كنا مجموعة من الصحافيين المحليين نُنقل من مطار بيروت إلى مركز قوات الطوارئ الدولية في الناقورة بواسطة مروحية تابعة للقوة الإيطالية العاملة في هذه "اليونيفيل" من أجل تغطية المحادثات بين الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي برعاية الأمم المتحدة. ولكن، وبقرار من قيادة الجيش أُبلغنا عن تبديل في مكان الإقلاع. فبدلًا من التوجّه إلى مطار بيروت طُلب منا التوجّه إلى مهبط مستحدث في تل الزعتر، من دون إعطائنا أي تبرير عن هذا التغيير المفاجئ، ولكن علمنا بعد ذلك من أحد الضباط اللبنانيين (العميد بسام سعد) أن المروحية، التي تقلنا من بيروت إلى الناقورة، تعرّضت لإطلاق نار من الضاحية الجنوبية لبيروت من دون إدخالنا في تفاصيل هذه الحادثة – الكارثة لو نجح مطلقو النار أن يصيبوها. (من بين الصحافيين الذين كانوا من ضمن المجموعة الصحافية أذكر الزميلين حبيب شلوق (النهار") وعارف العبد ("السفير").
