في واشنطن، يتبلور رهان جديد على لبنان يقول إنه إذا تعذّر نزع سلاح "حزب الله" بالقوة، فيجب تقليص نفوذه عبر تقوية الدولة، ولا سيما الجيش. هذا هو المنطق الذي يحكم المحادثات الأميركية - اللبنانية - الإسرائيلية الجارية، والذي أعطاه البيان المشترك شكله الأولي. في هذا الإطار، قال دبلوماسي أميركي سابق إن إدارة الرئيس ترامب تعمل بهدوء على نهج جديد يهدف إلى إضعاف قبضة "حزب الله"، "ربما ليس بالقوة المباشرة"، بل من خلال الرهان على الدولة، وخصوصًا الجيش، ومواجهة الشخصيات السياسية التي وفّرت غطاء طويلا لقوة "الحزب".
وتتقاطع المصادر الأميركية لجهة تأكيد وجود انفتاح دبلوماسي جاد باتجاه لبنان، تجلّى في البيان المشترك في 3 حزيران، والذي التزم بوقف مشروط لإطلاق النار، إذ يجب على "حزب الله" وقف الهجمات وسحب مقاتليه من جنوب الليطاني، بينما يتم وضع "مناطق تجريبية" في الجنوب تحت سيطرة الجيش الحصرية. واعتبر دبلوماسي أميركي أن البيان صيغ بعناية ليحمل رسالة واضحة: واشنطن تريد أن يقرر لبنان مستقبله، لا الميليشيات، فيما هدفها الانتقال نحو سلام وأمن دائمين لا مجرد هدنة موقتة.
ويُعدّ مفهوم "المناطق التجريبية" جوهر الإطار الحالي ويُكثّف البنتاغون والقيادة المركزية الأميركية مناقشاتهما حول زيادة الدعم للجيش، الذي يُنظر إليه على أنه حجر الزاوية لأي وقف مستدام لإطلاق النار. والسؤال: هل تستطيع الدولة اللبنانية بسط نفوذها على مناطق كانت خاضعة لسيطرة حزب الله؟ عمليًا، تُعدّ هذه تجربة بالغة الخطورة لأنها تعيد تشكيل النظام الأمني على طول الحدود الجنوبية بين لبنان وإسرائيل.
ويؤكد المسؤولون الأميركيون أن المناطق التجريبية ليست حلا نهائيًا، بل آلية سريعة نحو ترتيبات أمنية أوسع ويشير أحد الدبلوماسيين إلى أن نزع سلاح "الحزب" "غير واقعي على الإطلاق" إذا ما تم تصوّره كنتيجة لضغط عسكري إسرائيلي مباشر أو مرسوم لبناني مفاجئ. بدلا من ذلك، "تُفرّق واشنطن عمليًا بين لبنان كدولة وحزب الله كمنظمة إرهابية مسلحة". هذا ليس مجرد جدل لفظي، بل أساس استراتيجية تهدف إلى تهميش سردية "المقاومة" من خلال تعزيز الحدود المعترف بها دوليًا وتمكين المؤسسات الوطنية.
بحسب مصادر أميركية، يكشف هذا النهج عن خلافات أعمق حول التسلسل الزمني والثقة إذ تطالب إسرائيل بالتحقق والقدرة على استئناف العمليات إذا أعاد "الحزب" تنظيم صفوفه، بينما يخشى المسؤولون اللبنانيون تقديم التزامات من دون ضمانات بضبط النفس الإسرائيلي أو الانسحاب. فيما ترسم واشنطن مسارًا وسطًا: توسيع سيطرة الجيش تدريجيًا، وتراجع التصعيد الإسرائيلي، وتجنب المواجهة المباشرة بين الجيش و"حزب الله". وتتمثل الاستراتيجية الأوسع في تقليص نطاق عمليات "الحزب" قرب الحدود. وبحسب مسؤولين عسكريين أميركيين سابقين، يستلزم ذلك زيادة التمويل، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وربما إلحاق مستشارين أميركيين بوحدات لبنانية وبعض المسؤولين تحدثوا عن فكرة إنشاء غرف عمليات مشتركة تحت إشراف القيادة المركزية الأميركية.
وقد طرح قائد القيادة المركزية الأميركية السابق، الجنرال جوزيف فوتيل، رؤية أكثر طموحًا، تتمثل بتمويل مستدام لعمليات انتشار الجيش اللبناني، ووحدات نخبة لمكافحة الإرهاب لاستهداف الشبكات المسلحة وتوسيع القدرات المدنية العسكرية لتحقيق الاستقرار في المناطق المستعادة.
ومع ذلك، حتى من هم دعاة الانخراط الأعمق يُقرّون بالقيود. فالجيش اللبناني، بحسب المصادر الأميركية، ورغم الاحترام الواسع الذي يحظى به، يعمل ضمن نظام سياسي متصدع، ويظل حذرًا من إثارة صراع داخلي.
ورغم تعثّر صمود وقف النار، أشارت مصادر أميركية إلى أن أهمية هذا التحوّل تكمن في المقاربة السياسية فواشنطن تحاول، للمرة الأولى منذ وقت طويل، التعامل مع لبنان بوصفه دولة يمكن دعمها، فيما تُضيّق في المقابل على الوسطاء والشخصيات التي وفّرت الغطاء السياسي لسلاح "حزب الله".
وفي قلب التوتر يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي لطالما قدّم نفسه وسيطًا لا غنى عنه، لكنه بات في نظر دوائر أميركية جزءًا من المشكلة أكثر منه جزءًا من الحل وقال دبلوماسي أميركي سابق إنه "لا توجد شخصية لبنانية تُجسد فن التعطيل مثل بري" وفي الأيام الأخيرة، تحوّل استياء واشنطن من مناورات بري إلى نوع من نفاد الصبر الاستراتيجي وقال مسؤول أميركي سابق: "السلام يُرسل رسالة إلى معارضيه في لبنان. وقد أدهشني عدد الذين ما زالوا يخشونه، مع أنه يُقدّم للبنان بوضوح مخرجًا من أزمته".
وفيما يتزايد الإجماع في واشنطن، الذي يشمل البيت الأبيض والبنتاغون والكونغرس، على دعم المؤسسات اللبنانية الراغبة في المضي قدمًا، حتى لو كان ذلك يعني عزل من يُنظر إليهم بوصفهم عقبات، يبدو بري، الذي عارض علنًا إطار وقف النار، ضمن الفئة الأخيرة ويصف مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون تكتيكاته بأنها "مضللة سياسيًا" مشيرين إلى أن موقفه لم يُسفر إلا عن تعزيز مكانة الرئيس جوزاف عون.
فبالنسبة لصنّاع السياسة الأميركيين، التمييز أوضح من أي وقت مضى: لبنان شريك محتمل، بينما "حزب الله" ومن يدعمون موقفه المسلح هم المشكلة والغموض المحيط بدور بري أدى إلى زيادة المخاوف في واشنطن، إذ عبّر أحد الدبلوماسيين عن ذلك قائلا: "أحيانًا، تكون الحدود الفاصلة بين بري وحزب الله غير واضحة". ويُظهر الاعتماد على وسطاء مثل بري المعضلة المستمرة: فواشنطن تسعى إلى تعزيز الدولة اللبنانية، حتى وهي تتعامل مع مشهد سياسي يرسخ فيه حلفاء "حزب الله" أقدامهم بقوة.
ورغم أن خطر التصعيد لا يزال قائمًا،يسود تفاؤل حذر في واشنطن، حيث قال أحد الدبلوماسيين: "أنا متفائل ولست متشائمًا". غير أن التقدم قد لا يعتمد على الحلول الفنية بقدر اعتماده على الإرادة السياسية، لا سيما لدى القيادة اللبنانية. وبالنسبة إلى الأميركيين، أصبحت الرسالة أكثر مباشرة: من يلتزم بوقف النار وسلطة الدولة سيحظى بدعم واشنطن، ومن يعرقل سيواجه عزلة متزايدة.
المصدر: نداء الوطن
الكاتب: أمل شموني

