بقلم جوزاف أمين
تُعدّ الحركة الصهيونية من أكثر الحركات السياسية والفكرية تأثيرًا في التاريخ الحديث، وقد مرّت بمراحل متعددة ومعقدة منذ نشأتها الفكرية الأولى في البيئة الدينية المسيحية الأوروبية، وصولًا لتحوّلها إلى مشروع سياسي عالمي ارتبط بقيام دولة إسرائيل وتطوّر الصراع في الشرق الأوسط. يقتضي البحث التاريخي المجرد تناول الظاهرة الصهيونية ضمن سياقها الزمني، الفكري والسياسي، بعيدًا عن الخطابات التعبوية أو العاطفية، مع التركيز على المحطات الأساسية التي شكّلت مسارها التاريخي، لكن لا يغب عن بالنا أنه في بدايات المسيحية، كان الرأي السائد لدى معظم آباء الكنيسة أن الوعود الواردة في العهد القديم لا تُفهم حرفياً كعودة سياسية لليهود إلى فلسطين، بل تُفسَّر تفسيرًا روحيًا يتعلق بالكنيسة. لذلك لم تكن هناك دعوة مسيحية منظمة لإعادة اليهود إلى فلسطين ومن أبرزهم القديس أوغسطينوس الذي اعتبر أن اليهود سيبقون مشتتين بين الأمم كشاهد تاريخي على صحة الكتاب المقدس.
لم تولد الصهيونية الحديثة دفعةً واحدة داخل البيئة اليهودية الأوروبية، بل سبقتها مسارات فكرية ودينية تشكّلت في رحم أوروبا المسيحية على مدى قرون. فالجذور الأولى لهذه الفكرة تعود إلى القرن السادس عشر، مع انطلاق حركة الإصلاح البروتستانتي بقيادة مارتن لوثر، ولا سيما في إنكلترا، حيث بدأت تتبلور قراءات لاهوتية جديدة للتاريخ المقدس تربط بين عودة اليهود إلى فلسطين وتحقيق النبوءات الإنجيلية المتعلقة بعودة المسيح.
وقد تبنّى عدد من اللاهوتيين والمفكرين والسياسيين البروتستانت تفسيرًا حرفيًا لنصوص العهد القديم، فرأوا في عودة اليهود إلى أرض فلسطين خطوة ضرورية ضمن المخطط الإلهي لمسار التاريخ. ووفق هذا التصور، فإن إعادة تجمّع اليهود في أرض الميعاد وقيام إسرائيل من جديد يشكّلان تمهيدًا للأحداث الأخروية الكبرى المرتبطة بآخر الزمان وعودة المسيح المنتظرة. ومن هذه الرؤية الدينية وُلدت البذور الأولى لما سيُعرف لاحقًا بـ«الصهيونية المسيحية»، التي سبقت الصهيونية اليهودية السياسية بعدة قرون.
ومع حلول القرن السابع عشر، وفي ظل صعود الحركة البيوريتانية (التطهيرية) في إنكلترا، اكتسبت هذه الأفكار زخمًا أكبر. فقد سعى البيوريتانيون إلى تطهير الكنيسة الإنكليزية من الموروثات والعقائد التي اعتبروها امتدادًا للكاثوليكية، ورافق ذلك اهتمام متزايد بالدراسات التوراتية والتفسيرات النبوية. وفي تلك المرحلة انتشرت مؤلفات وأبحاث لاهوتية تدعو صراحةً إلى عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولة يهودية فيها، باعتبارها محطة أساسية تسبق المجيء الثاني للمسيح والأحداث المرتبطة بمعركة هرمجدون. غير أن الفكرة انتقلت في القرن التاسع عشر من المجال اللاهوتي إلى المجال السياسي والقومي. ففي ظل صعود الحركات القومية الأوروبية، وتراجع الإمبراطوريات التقليدية، وتنامي النزعات القومية الحديثة، بدأت تتشكل داخل الأوساط اليهودية الأوروبية رؤية جديدة تعتبر اليهود أمة تستحق كيانًا سياسيًا مستقلًا شأنها شأن الأمم الأخرى. وقد ساهمت التحولات العميقة التي شهدتها أوروبا آنذاك، إلى جانب تصاعد ظاهرة معاداة اليهود في عدد من البلدان، ولا سيما في روسيا وأوروبا الشرقية، في تعزيز هذه التوجهات ودفعها نحو مشروع سياسي منظم، وهكذا، فإن الصهيونية السياسية التي ستظهر لاحقًا لم تكن نتاج لحظة تاريخية معزولة، بل جاءت تتويجًا لتراكمات فكرية ودينية وقومية امتدت عبر قرون، بدأت في الأوساط البروتستانتية الأوروبية قبل أن تنتقل إلى الحركات القومية اليهودية وتتحول تدريجيًا إلى مشروع سياسي يسعى إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
قبل ظهور تيودور هرتزل بعقود طويلة، بدأ بعض السياسيين البريطانيين يطرحون فكرة إعادة اليهود إلى فلسطين لأسباب دينية واستراتيجية معاً، من تلك الشخصيات اللورد شافتسبري المولود في 28 نيسان 1801 والذي رفع شعارًا ما زال يردده الكثيرون، أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وهنري جون تامبل الذي تولى رئاسة الوزراء للمملكة المتحدة لمرتين الذي دعم مشاريع توطين اليهود في فلسطين. يُعتبر الصحافي النمساوي اليهودي تيودور هرتزل الشخصية المركزية في تحويل الصهيونية من فكرة ثقافية ودينية إلى مشروع سياسي منظم. ففي عام 1896 نشر كتابه الشهير الدولة اليهودية، داعيًا إلى إقامة وطن قومي لليهود، ثم قاد في العام التالي المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل سنة 1897، حيث وُضعت الأسس التنظيمية للحركة الصهيونية العالمية، وتم إنشاء المنظمة الصهيونية العالمية. وبهذا نرى أن الصهيونية السياسية لم تظهر من عدم بل استفادت من حقبات طويلة من التفكير الديني والسياسي الذي رأى في عودة اليهود الى فلسطين مشروعًا مرغوبًا ومتوافقًا مع تصورات دينية، اعتبرها البعض محقة والبعض الآخر اعتبرها هرطقة كلامية لا تمت بصلة الى الوقاع الديني المسيحي الكاثوليكي.
شكّل المؤتمر الصهيوني الأول نقطة تحول أساسية، إذ انتقلت الصهيونية من إطار فكري متفرق إلى حركة سياسية دولية ذات مؤسسات وتمويل وخطط عملية. وقد ركّزت الحركة في بداياتها على تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وشراء الأراضي، وإنشاء المؤسسات الاقتصادية والتعليمية التي تمهّد لإقامة كيان سياسي مستقل.
خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأت موجات الهجرة اليهودية المنظمة إلى فلسطين، التي كانت آنذاك جزءًا من الدولة العثمانية وقد ترافقت هذه الهجرات مع تأسيس مستوطنات زراعية وتنظيمات عسكرية ومؤسسات مالية، بدعم من شخصيات يهودية أوروبية نافذة ومن شبكات تمويل دولية. جاءت الحرب العالمية الأولى لتشكّل محطة مفصلية في تطور المشروع الصهيوني. ففي عام 1917 صدر وعد بلفور، وهو تعهد من الحكومة البريطانية بدعم إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين.
مع صدور ما عُرف بوعد بلفور، بلغت هذه الأفكار مرحلة متقدمة من التأثير، بعدما تلاقت مع المصالح البريطانية السياسية والاستراتيجية والاقتصادية. كما لعبت الدبلوماسية الصهيونية دورًا فاعلًا في استثمار هذه الظروف وتوجيهها لخدمة مشروعها، مستفيدةً من الأرضية الفكرية والثقافية التي كانت الصهيونية المسيحية قد أرستها منذ وقت مبكر داخل الأوساط السياسية والدينية والنخبوية البريطانية.
بعد انهيار الدولة العثمانية وفرض الانتداب البريطاني، شهدت فلسطين تزايدًا ملحوظًا في أعداد المهاجرين اليهود، بالتوازي مع تنامي قوة المؤسسات الصهيونية وتطور بنيتها التنظيمية والسياسية والاقتصادية. وفي المقابل، تصاعدت مخاوف العرب الفلسطينيين الذين نظروا إلى المشروع الصهيوني باعتباره تهديدًا مباشرًا للهوية الوطنية الفلسطينية وللتوازن الديموغرافي والسياسي القائم في البلاد. وخلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، اكتسب المشروع الصهيوني زخمًا دوليًا إضافيًا بفعل المتغيرات الكبرى التي شهدتها أوروبا، وفي مقدمتها صعود الحزب النازي وما رافقه من اضطهاد لليهود، وصولًا إلى مأساة الهولوكوست. وقد أسهمت هذه الأحداث في تعزيز التعاطف الدولي مع فكرة إقامة دولة يهودية، حيث رأت دول غربية عديدة في هذا المشروع حلًا سياسيًا لمأساة اليهود الأوروبيين، بصرف النظر عن الجدل القائم حول الأسباب التاريخية والسياسية التي أفضت إلى تلك المأساة ونتائجها على شعوب المنطقة.
وفي عام 1947 أصدرت الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، ثم أُعلن قيام إسرائيل عام 1948، ما أدى إلى اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية الأولى ونشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين، التي أصبحت إحدى أبرز قضايا الشرق الأوسط المعاصرة والذي دفع ثمنها لبنان من ارضه وامنه وتوافقية ابنائه. بعد تأسيس إسرائيل، انتقلت الصهيونية من مرحلة حركة تحرر قومي بحسب تعريف أنصارها، إلى مرحلة بناء الدولة وتوسيع النفوذ السياسي والعسكري. ومع مرور العقود، تنوعت التيارات الصهيونية بين صهيونية علمانية، ودينية، واشتراكية، وقومية متشددة. كما تطورت العلاقة بين إسرائيل والغرب، خاصة مع الولايات المتحدة، لتصبح علاقة استراتيجية وثيقة منذ النصف الثاني من القرن العشرين.
أما مصطلح الصهيونية العالمية فقد استُخدم لوصف الشبكات السياسية والاقتصادية والإعلامية الداعمة لإسرائيل حول العالم، إلا أن هذا المصطلح يحمل أحيانًا أبعادًا جدلية أو اتهامية في الخطاب السياسي، ولذلك يتعامل معه الباحثون بحذر، ويفضّلون دراسة التأثيرات السياسية والاقتصادية عبر الوقائع والمؤسسات الموثقة بدل التعميمات الأيديولوجية. في العقود الأخيرة، شهدت الصهيونية تحولات كبيرة من أبرزها:
1- صعود التيارات الدينية والقومية المتشددة داخل إسرائيل.
2- تراجع بعض التيارات اليسارية التقليدية.
3- توسع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967.
كما أصبح الجدل حول الصهيونية أكثر تعقيدًا عالميًا، إذ يراها مؤيدوها حركة قومية يهودية مشروعة، بينما يعتبرها معارضوها مشروعًا استيطانيًا توسعيًا ارتبط بتهجير الفلسطينيين واستمرار الاحتلال. من هنا بإمكاننا القول ان فكرة الصهيونية مرت بمراحل مختلفة حتى وصلت الى ما هي عليها الآن، ومن تلك المراحل على سبيل المثال لا الحصر:
أ- تفسير روحي مسيحي للكتاب المقدس.
ب- عودة التفسير الحرفي مع ما يُسمى بالإصلاح البروتستانتي.
ج- تبني البيوريتانيين لفكرة عودة اليهود.
د- انتشار عقائد آخر الزمان الإنجيلية.
ه- تحول الفكرة إلى مشروع سياسي بريطاني في القرن التاسع عشر.
و- التقاء الصهيونية المسيحية مع الصهيونية اليهودية الحديثة.
وأخيرًا دعم رسمي بريطاني تُوِّج بوعد بلفور ثم لاحقاً بقيام إسرائيل، هذا التسلسل التاريخي يوضح أن بعض الجذور الفكرية للمشروع الصهيوني الحديث سبقت نشوء الحركة الصهيونية اليهودية السياسية بقرون داخل أوساط مسيحية بروتستانتية أوروبية. فدراسة الصهيونية تاريخيًا تكشف أنها ليست فكرة ثابتة أو تيارًا واحدًا، بل ظاهرة مركبة تشكلت من تداخل الدين والقومية والسياسة والتحولات الدولية. وتطورت من تصورات دينية مسيحية مبكرة، إلى حركة قومية يهودية حديثة، بعدها إلى مشروع دولة ونفوذ إقليمي ودولي، وما زالت حتى اليوم أحد أكثر الموضوعات حضورًا وتأثيرًا في السياسة العالمية والشرق أوسطية.
