خاص

خاص: كميل معلوف - بين النصوص والالتزامات الدولية: العفو العام على المحك



بقلم المحامي كميل حبيب معلوف 

في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، يقف مشروع العفو العام أمام امتحان الدستور والمعاهدات الدولية، بين واجب تعزيز السلم الأهلي وخطر تحويل العدالة إلى أداة سياسية. إنّ النقاش لم يعد محصوراً بصلاحية مجلس النواب، بل بات مرتبطاً بمستقبل القضاء واستقلاله، وبصورة لبنان أمام المجتمع الدولي، فالعفو العام إمّا أن يكون إصلاحاً دستورياً جامعاً يكرّس العدالة، وإمّا أن يتحوّل إلى ثغرة تُضعف المؤسسات وتفتح الباب أمام الانقسام.

إنّ الدستور اللبناني، في مواده (٢ و٢٠)، يكرّس مبدأ خضوع الدولة للقانون واستقلال السلطة القضائية، فيما تؤكد المادة ٢٦ من اتفاقية فيينا لعام ١٩٦٩ على وجوب تنفيذ الالتزامات الدولية بحسن نية. وقد كرّست محكمة التمييز اللبنانية في قرارات متواترة أنّ العفو العام لا يجوز أن يمسّ بالجرائم الخطيرة أو بحقوق الضحايا، كما في قرارها الصادر سنة ٢٠١٨ الذي شدّد على أنّ العفو لا يمكن أن يشمل الجرائم الماسة بالسلامة العامة أو الجرائم ذات الطابع الإرهابي، حفاظاً على هيبة القضاء وحقوق المجتمع.

وفي فرنسا، وضع المجلس الدستوري إطاراً صارماً للعفو العام، مؤكداً أنّ البرلمان وإن كان يملك صلاحية التشريع، إلا أنّه لا يستطيع أن يقرّ عفواً يتعارض مع المبادئ الدستورية الأساسية ومنها المساواة أمام القانون وحقوق الضحايا. وقد قضت محكمة النقض الفرنسية بأنّ العفو العام لا يمكن أن يكون وسيلة سياسية لتجاوز القضاء بل يجب أن يظل أداة استثنائية لتحقيق المصالحة الوطنية.

أما في الولايات المتحدة، فقد أكدت المحكمة العليا في قضية United States v. Klein أنّ سلطة العفو، وإن كانت واسعة، لا يمكن أن تُستخدم بما يخلّ بمبدأ الفصل بين السلطات أو يقوّض استقلال القضاء، كما شدّدت في قضايا لاحقة على أنّ العفو لا يجوز أن يتحوّل إلى أداة سياسية لتكريس الانقسام أو لتقويض العدالة، بل يجب أن يظل في إطار احترام الدستور وحماية حقوق المواطنين.

وقد كرّست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في اجتهاداتها، ولا سيما في قضية Marguš v. Croatia وقضية Ould Dah v. France، أنّ العفو العام لا يجوز أن يشمل الجرائم الجسيمة كالجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب، لأن ذلك يتعارض مع مبدأ سيادة القانون وحقوق الضحايا، وهو ما ينسجم مع ما استقرّت عليه محكمة التمييز اللبنانية في قراراتها الأخيرة، ويؤكد أنّ أي تشريع للعفو العام يجب أن يكون منسجماً مع الالتزامات الدولية التي ارتبط بها لبنان.

إنّ مشروع العفو العام المطروح في لبنان اليوم، بما يحمله من طابع سياسي ضيق، يخالف جوهر الدستور الذي يكرّس وحدة الدولة والمساواة بين المواطنين، ويؤدي إلى إضعاف دور القضاء الذي هو الضامن الوحيد للعدالة. فالعفو العام إذا أراد أن يكون شرعياً يجب أن يكون دستورياً، عادلاً، ومتوافقاً مع المعاهدات الدولية، بعيداً عن الحسابات الضيقة، وأن يضع نصب عينيه أنّ العدالة ليست ورقة سياسية بل مسؤولية وطنية جامعة.