احتضنت كاتدرائية القديسين غريغوريوس والياس النبي للأرمن الكاثوليك في وسط العاصمة، أمسية أوركسترالية استثنائية، بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى الدكتورة هبة القواس أحيتها الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بقيادة المايسترو وعازف البيانو العالمي كريم سعيد.
التقت في الأمسية الثقافة والموسيقى الرفيعة لتسطرا فصلاً جديداً من فصول الصمود الإبداعي، وليجسدا معاً تلاحماً وجدانياً فائقاً بين عراقة الفكر الكلاسيكي الغربي ونبض الوجدان اللبناني المعاصر.
استُهل الحفل بكلمة ترحيبية لراعي الكاتدرائية الأب رافي أوهانسيان عبّر فيها عن فخره باحتضان هذه الأمسية تحت قبة الكنيسة التي تفتح أبوابها دائماً لتكون ملاذاُ للروح والفن. كما توجه الأب أوهانسيان بالشكر والتقدير للمعهد الوطني العالي للموسيقى ورئيسته الدكتورة هبة القواس، مثمناً الجهود الاستثنائية في نشر ثقافة الحياة والسلام في أصعب الأوقات.
ثم اعتلت القواس المنبر لتعلن استكمال الرسالة الوطنية المتمثلة بدور الكونسرفتوار من خلال "سمفونيات الصمود"، مؤكدةً أن الموسيقى في بيروت هي فعل تحدٍّ وجودي مستمر يعيد تشكيل الأمل ويجمع القلوب المتعبة تحت قبة الروح الإنسانية. وجاء في كلمتها:
"من قلب بيروت، وتحت هذه القبة التي تحرس أحلامنا وتحمل كل الروحانيات التي نحتاجها لنستمد القوة ونكمل معكم مسيرتنا، نلتقي الليلة لنستكمل سلسلة حفلاتنا في زمن الحرب، أو "سمفونيات الصمود" كما أردنا تسميتها. إن دورنا الحقيقي والملزم هو ألا نتوقف ولا للحظة واحدة، خصوصاً في ظل هذه التحديات القاسية التي نعيشها ويعيشها لبنان. وأنتم أيضاً، بوجودكم النبيل الليلة، قبلتم التحدي وصرتم شريكاً في هذا المسار الذي يعود ويشرق في فضاء وسط بيروت.
في هذا المكان الاستثنائي، كاتدرائية الأرمن الكاثوليك، نشعر في كل مرة نكون فيها كم تحتضننا وتغمرنا بسكينتها، ومن هنا، أتوجه بتحية شكر وامتنان عميق لراعي هذه الكنيسة، الأب رافي أوهانسيان، الذي يستقبلنا دوماً بحب كبير ويضع بتصرفنا كل الإمكانيات المتاحة".
وأضافت: "أمسيتنا الليلة مميزة ببرنامجها، فإلى جانب "كونشرتو البيانو رقم 23" الرائع لموتسارت وسيمفونية بيتهوفن العظيمة "إرويكا"، نحتفي معاً بعمل خاص جداً يحمل عنوان "افتتاحية لبنان 2026". هذا العمل صاغه وألّفه خصيصاً لهذه الليلة المؤلف الموسيقي القدير الذي أحبه وأقدره كثيراً، الأستاذ عبد الله المصري.
والحقيقة، أنني تواصلت معه مؤخراً وطلبت منه مؤلَّفاً يكون بمثابة عرض عالمي أول (World Premiere) يتناسب مع عديد الأوركسترا الحالي الذي فرضته ظروف الحرب، فالأوركسترا في زمن السلم يكون عديدها أكبر بكثير، وكنا بحاجة لعمل ضخم من مؤلف كبير. ولم يكتفِ الأستاذ المصري بتلبية النداء، بل أنجز هذه المؤلف الكبير في وقت قياسي، إذ كتب العمل في أيام قليلة، وخلال الوقت المتبقي كانت الأوركسترا تكثف تدريباتها.
والحدث المهم الآخر الليلة، هو عازف البيانو الشاب الذي يشاركنا المسرح، هو تلميذنا الذي تخرج على يد البروفسورة الدكتورة ميرا زنتوت، ويتابع دروسه حالياً مع المايسترو كريم سعيد قبيل مغادرته لإكمال تحصيله الموسيقي في فرنسا. هذا الشاب استطاع في ظرف زمن قياسي وصعب جداً أن يتعلم المعزوفات ويحفظها، ويتدرب عليها ليقدمها الليلة رفقة الأوركسترا، وهو تحدٍ بالغ الصعوبة لعازف في عمره لم يتمرس بعد بالوقوف طويلاً خلف الأوركسترا، لكنه أثبت جدارة استثنائية.
بالتأكيد، يعود الفضل الأكبر في هذا النجاح للمايسترو الكبير كريم سعيد، الذي يمتلك يداً بيضاء وفضلاً كبيراً على أوركسترا الشباب، والتي يوجد عدد من أعضائها معنا الليلة مع الأوركسترا. وهنا، أوجّه تحية إجلال للأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بجميع عازفيها، الذين يتحدون أصعب الأوقات ليتمرنوا ويقدموا من كل قلوبهم، محتضنين وموجّهين الجيل الأصغر منهم."
وختمت القواس: "إن المايسترو سعيد، بفكره الجرماني وثقافته العميقة في الموسيقى الجرمانية، يمنحنا الليلة أجمل ما عنده ليرتقي بالجوهر الحقيقي للموسيقى، سواء مع الفلهارمونية، أو أوركسترا الشباب، أو قسم البيانو. أتمنى لكم جميعاً أمسية ممتعة، تليق ببيروت وبتحدينا المشترك."
وفي تقرير عن الأمسية، أعدته المستشارة الإعلامية ماجدة داغر، ان الأوركسترا افتتحت الأمسية بالحدث الأكثر تأثيراً مع الحداثة الموسيقية الملتزمة، من خلال العرض العالمي الأول لمقطوعة "افتتاحية: لبنان ٢٠٢٦" للمؤلف الموسيقي اللبناني القدير عبد الله المصري. هذا العمل الذي وُلد بطلبٍ من رئيسة الكونسرفتوار الدكتورة هبة القواس، صِيغَ خصيصاً لأوركسترا سمفونية ذات عددٍ محدد من الآلات فرضته الظروف الراهنة، حيث أنجزه المصري في غضون أسبوع واحد بكامل تفاصيل مدونته الموسيقية المعقدة، ليتبدى كمرآة صوتية تعكس نبض المرحلة وتؤرخ للحظة الراهنة، إذ يعبر المصري في موسيقاه عن استمرارية الزمن برتابة الموت الدائم، متسائلاً بمرارة عما يمكن قوله في زمن ينزف فيه الوطن، ويئن في صمت تعبيراً صارخاً عن حالة استثنائية مؤلمة. لتتحول المعاناة الإنسانية إلى مادة نغمية حية وتعبير أصيل يرفض الفناء والعدم. وفي هذا العمل، تتماهى النوتة الموسيقية مع الهوية والتراب، لتصبح الأوركسترا صوتاً لمن لا صوت لهم، ووثيقة وجدانية تشهد على مأساة شعب. عمل درامي تراجيدي بكل ما تحمله الكلمة من أبعاد، مشحون بزخم سمعي وانفعالي هائل يُقرب المسافة بين المستمع وتلك الحالة الرهيبة من القلق، والحزن، والمعاناة، والفقدان.
تنتمي اللغة الموسيقية في هذا العمل إلى المدارس الحديثة، لكنها تحافظ في آنٍ معاً على جسور الاتصال الوجداني مع مشاعر المستمع العادي غير المتعمق في الموسيقى الكلاسيكية، إذ نلمس في ثناياها المناخ العربي اللبناني بملامح لحنية متخفية تتناقل بشغف بين مجموعات الأوركسترا. بحيث لا نجد لحناً مكتملاً بالمعنى التقليدي، بقدر ما تتصارع أفكار نغمية ترتبط وتتفكك لتنتج رابطاً سمعياً وانفعالياً باليد الأوركسترالية. وتتجلى الحنكة التأليفية العالية للمصري في ذلك التشابك التصاعدي للخطوط اللحنية التي تجتمع عند ذروات تراجيدية مهيبة، تفرض أسلوبه المنفرد، اللامع، والذاتي الحضور الذي يلتقطه المستمع منذ اللحظات الأولى.
على مدى إحدى عشرة دقيقة، يمر العمل كأنه دقائق قليلة عابرة، تاركاً خلفه أسئلة وجودية حارقة حول ما نعيشه الآن، حيث تسيطر صرخة الألم وصوت الدمار على المدى السمعي، متصاعدةً بوتيرة غير متناهية من الترقب الدائم والتواصل النغمي الذي يمتد حتى الرمق الأخير من العمل، في تجسيد لتقنيات وأداء رائع تجلى في التأليف، والقيادة، والأوركسترا.
ولم تقف مفاجآت هذه الليلة الاستثنائية عند حدود النغم، بل اتشحت بأبهى حُلل التكريم والتقدير، إذ اعتلت رئيسة الكونسرفتوار الدكتورة هبة القواس المسرح مرة ثانية لتقف إلى جانب المايسترو كريم سعيد حاملةً معها بشرى ثقافية رفيعة، حيث أعلنت أمام الجمهور عن نيله "وسام الملك عبد الله الثاني للتميز"، تقديراً لإسهاماته الاستثنائية والباهرة في إثراء الحياة الثقافية والفنية في الأردن والعالم. وفي غمرة هذه اللحظة المؤثرة، عبّرت الدكتورة القواس عن عميق فخرها واعتزازها بهذا الاستحقاق المشرّف، مؤكدةً أن وجود المايسترو سعيد كفنان مقيم لدى الأوركسترا (Artist in Residence) يُعدّ إضافة نوعية وقيمة فنية كبرى يفخر بها المعهد الوطني العالي للموسيقى وتعتز بها الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية.
ومع تعالي منسوب الشجن الإنساني، وفي موازاة هذا التحدي الإبداعي، تجلت قيادة المايسترو كريم سعيد لتشكل العمود الفقري وجسر العبور الآمن لهذه الليلة الاستثنائية. إذ قاد الأوركسترا ببصيرة نافذة وفكر نغمي جرماني الطابع، يغوص في جوهر الموسيقى الحقيقية وفي عمق البناء الفلسفي، ليفكك شيفراتها ويمنحها حضوراً باهراً على الخشبة. فكانت قيادته حواراً وجدانياً عميقاً استطاع من خلاله إبراز أجمل ما تكتنزه الأوركسترا الفلهارمونية من طاقات. فنجح، بحنكته المعهودة، في احتضان الطاقات الشابة وتوليفها مع العازفين المتمرسين، مانحاً العمل صبغة احترافية عالية زاوجت بين الصرامة التعبيرية والتدفق العاطفي الدافئ، مما جعل من حضور الأوركسترا تحت عصاه شهادة حيّة على براعة القيادة وإرادة الصمود الفني.
انتقل المايسترو سعيد إلى قيادة الأوركسترا من على كرسي البيانو في آنٍ معاً، ليقدم قراءة بالغة العذوبة لـ "كونشرتو البيانو والأوركسترا رقم ٢٣ في مقام لا الكبير، مصنف ٤٨٨" للمؤلف النمساوي العبقري ولفغانغ أماديوس موتسارت. امتازت الحركة الأولى (Allegro) ببنائها السوناتي المتماسك، حيث تداخلت تيمات البيانو المنفرد مع تيمات الأوركسترا في حوارية بالغة الرقة والهارموني. وفي الحركة الثانية (Adagio)، تفرّد البيانو بتقديم تيمة ذات طابع أوبرالي مشحون بفيض من الشاعرية الخالصة والمشاعر الشفيفة، قبل أن تختتم الحركة الثالثة (Allegro assai) الأجواء بحيويتها الدافقة وحواراتها الذكية التي تذكر بأجواء "الأوبرا بوفا" الهزلية.
وفي الجزء الثاني من الأمسية، حلقت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية في فضاءات الملحمة الإنسانية الكبرى عبر "السمفونية رقم 3" والمعروفة باسم "إرويكا" أو (السمفونية البطولية) لعملاق الموسيقى لودفيج فان بيتهوفن. هذا العمل يمثل المرحلة البطولية في حياة المؤلف، حيث صاغ رؤية سمفونية غير مسبوقة في حجمها وتنوعها التعبيري. قاد المايسترو كريم سعيد الأوركسترا باقتدار وبصيرة نافذة عبر حركاتها الأربع، بدءاً بالحركة الأولى المليئة بالحماس المتدفق (Allegro con brio)، ووصولاً إلى الحركة الثانية التي تجسد "المسيرة الجنائزية" (Marcia funebre: Adagio assai)، حيث غاصت الأوركسترا في تأملات مأسوية عميقة حول المعاناة الإنسانية والتضحية. تلى ذلك الانتقال إلى الحركة الثالثة (Scherzo: Allegro vivace) بنبضها الحيوي السريع، لتختتم الحركة الرابعة (Finale: Allegro molto) هذه الملحمة باثنتي عشرة تنويعة موسيقية بالغة التعقيد والجمال، تمتد من المارش العسكري إلى الفوغا المتقنة.
وختم التقرير :"ومع خفوت النغمة الأخيرة تحت قبة الكاتدرائية، بقيت أصداء هذه الليلة تتردد في أثير العاصمة كشاهدٍ حيّ على أن الإبداع في لبنان لا يشيخ ولا ينكسر. فقد أعادت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية، ومعها الكونسرفتوار برؤية رئيسته الدكتورة هبة القواس، صياغة مفهوم المواجهة بالفن الراقي، لتظل بيروت، برغم الجراح وقسوة المحطات، منارةً حاضنة لثقافة الحياة، ووطناً يكتب قيامته الدائمة بنوتة موسيقية عابرة للأزمنة".
