أحدث إسقاط مروحية "الأباتشي" الأمريكية انتكاسة في مسار المفاوضات السرية والعلنية بين واشنطن وطهران، التي انطلقت قبل أشهر برعاية باكستانية ودعم من أطراف إقليمية؛ ما يضع الأزمة أمام ثلاثة سيناريوهات كبرى مرشحة لتحديد ملامح المرحلة المقبلة، بحسب ما تقول مصادر غربية.
وتفاقمت التداعيات السلبية على هذا المسار الدبلوماسي عقب شن واشنطن ضربات انتقامية ضد أهداف في العمق الإيراني، وهو ما قوبل برد عسكري سريع من طهران استهدف قواعد أمريكية في المنطقة، لينتقل الطرفان من أروقة التفاوض إلى جولات الصدام العسكري المباشر.
و كشفت مصادر دبلوماسية غربية، أن معادلة التفاوض تحت النار التي حاولت الأطراف فرضها واجهت عقبات حقيقية، بعدما نقل الهجوم المباشر على الأصول العسكرية الأمريكية المواجهة من حسابات المناورة السياسية إلى صدام استراتيجي علني يضع توازنات المنطقة على المحك.
كواليس التفاهمات المتبددة
وكانت الجهود الدبلوماسية شهدت على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، حراكاً سرياً مكثفاً تقوده باكستان إلى جانب قنوات اتصال خليجية وأوروبية خلفية، في محاولة لنزع فتيل الانفجار الإقليمي.
وتفيد المصادر الغربية في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن المعلومات المسربة من كواليس تلك المحادثات بأن الوسطاء نجحوا بالفعل في صياغة مسودة تفاهم مبدئي كان يعول عليها لإرساء هدنة طويلة الأمد.
وتتلخص أبرز البنود التي جرى التوافق عليها في التزام الأطراف بإعادة تنظيم حركة الملاحة عبر وضع بروتوكولات أمنية تضمن سلامة ناقلات النفط والتجارة العالمية في مضيق هرمز وبحر عمان، والنأي بالخطوط البحرية عن الصراعات السياسية والعسكرية، كما شملت بنداً لمكافحة الحصار البحري عبر صياغة آلية متبادلة تلتزم بموجبها واشنطن بتخفيف قيود الحظر البحري وتأمين حرية حركة السفن التجارية، مقابل كبح طهران لحلفائها الإقليميين.
وتضمنت المسودة كذلك بنوداً تتعلق بتحرير الأصول والهدنة الاقتصادية عبر رفع التجميد عن جزء من الأرصدة المالية الإيرانية المحتجزة في الخارج لغايات إنسانية وتجارية، مقابل تجميد طهران لبعض الأنشطة الحساسة وتخفيض حدة التوتر الميداني.
بيد أن هذا الصرح الدبلوماسي الذي شُيّد بجهود شاقة تراجع بالكامل فور انتقال المواجهة إلى الصدام المباشر؛ حيث تسببت الصواريخ الباليستية وهجمات الطائرات المسيرة في تجميد التفاهمات المكتوبة، ليحل محلها منطق فرض الشروط عبر القوة النارية المباشرة.
قواعد الاشتباك الجديدة
وقالت المصادر الغربية، إن حادثة إسقاط المروحية الأمريكية من طراز أباتشي شكل نقطة تحول مفصلية أعادت صياغة خطوط الاشتباك الحمراء بين الجانبين بالكامل، فمن الناحية العسكرية والسياسية، لم يعد الأمر مجرد مناوشات بين فصائل رديفة والجيش الأمريكي، بل مواجهة مكشوفة وضعت هيبة الإدارة الأمريكية العسكرية على المحك أمام الرأي العام الداخلي والدولي ومؤسسة البنتاغون المعترضة بشدة على تآكل الردع.
وتؤكد تقارير استخباراتية غربية أن إسقاط الطائرة الأمريكية أحدث صدمة في دوائر صنع القرار بواشنطن، لكونها تمثل اعتداء مباشراً على أصول عسكرية نوعية.
ودفع هذا التطور إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى التلويح الفوري والعلني بالخيار العسكري الشامل، حيث اعتبر البيت الأبيض أن الصمت أو الرد المحدود سيُفسر من قبل طهران على أنه ضعف بنيوي في استراتيجية الضغط الأقصى الأمريكية.
في المقابل، ردت طهران على هذا التلويح بإطلاق جولات من الهجمات الصاروخية الباليستية؛ ما يعكس قراراً استراتيجياً إيرانياً بعدم التراجع، ومحاولة إثبات أن أي هجوم أمريكي سيقابل بردود تشمل المصالح الأمريكية الموزعة في المنطقة.
تجميد المفاوضات
وفقاً لتقييمات المصادر الدبلوماسية الغربية، فإن المفاوضات الأمريكية الإيرانية دخلت في حالة جمود، ورغم أن الوسطاء الإقليميين، ولا سيما الجانب الباكستاني، بذلوا جهوداً مضنية ومستمرة حتى الساعات الأخيرة لإبقاء قنوات الاتصال الخلفية مفتوحة ولو في حدها الأدنى، إلا أن حجم التصعيد الناري وحادثة الأباتشي سدّا منافذ المناورة السياسية أمام الطرفين.
ووفق المصادر الغربية، فإن هذا الشلل الدبلوماسي يُعزى إلى عدة عوامل أساسية أبرزها فقدان الثقة المتبادلة؛ حيث تزايدت القناعة لدى الإدارة الأمريكية بأن طهران تستغل الوقت التفاوضي لتثبيت مكاسب ميدانية وتطوير قدراتها الهجومية، بينما ترى طهران أن واشنطن تستخدم المفاوضات غطاءً لفرض استسلام سياسي واقتصادي دون تقديم تنازلات حقيقية في ملف العقوبات والأرصدة المجمدة.
وكان التصعيد العسكري الأخير بين الجانبين ساهم في تصلب المواقف السياسية بشأن استئناف المفاوضات؛ وأصبح أي تنازل يقدمه أي من الطرفين بمثابة انتحار سياسي داخلي، فالإدارة الأمريكية لا يمكنها قبول التفاوض تحت تهديد إسقاط طائراتها وقصف قواعدها، والقيادة الإيرانية ترى في التراجع انكساراً لاستراتيجية الردع الوطنية.
وأمام هذا التصلب، يبرز عجز الوسطاء بعد أن باتت أدوات الكبح التقليدية غير قادرة على احتواء الاندفاعة العسكرية التي تجاوزت السقوف السياسية المعروضة على الطاولة.
مآلات المشهد
ومع عرقلة المسار الدبلوماسي وترنح فرص التهدئة، تندفع المنطقة نحو سيناريوهات قاتمة ومفصلية، حيث ترى المصادر الغربية، أن المشهد الإقليمي محكوم حالياً بثلاثة مسارات أساسية ،يتمثل الأول في حرب الاستنزاف الشاملة والممتدة، وهو سيناريو يقوم على استمرار تبادل الضربات الصاروخية وحرب المسيرات دون الانزلاق إلى مواجهة كلاسيكية شاملة.
وفي هذا المسار، تعتمد واشنطن على شل القدرات الاقتصادية والعسكرية الحيوية لطهران، في حين تعتمد الأخيرة على سلاح كسر الملاحة البحرية وضرب القواعد الأمريكية لإلحاق أكبر قدر من الخسائر المادية والبشرية بالجانب الأمريكي لدفع واشنطن إلى التراجع.
أما المسار الثاني فيرتبط بالانفجار الإقليمي وإعادة رسم الخرائط، وهو السيناريو الأكثر خطورة، حيث قد تؤدي ضربة صاروخية غير محسوبة بدقة أو تجاوز جديد لخط أحمر حساس كاستهداف مراكز قيادة عليا أو منشآت إستراتيجية بالغة الحيوية، إلى اشتعال الجبهات كافة دفعة واحدة.
ويبقى المسار الثالث متمثلاً في اتفاق الضرورة القصوى تحت النار، وهو سيناريو مستبعد حالياً لكن لا يمكن إسقاطه تماماً في العرف السياسي؛ حيث قد يدفع الخوف من التدمير المتبادل، بعد جولة قتال عنيفة، إلى العودة مجدداً إلى الطاولة الباكستانية، ولكن بشروط وصيغ جديدة تفرضها التطورات الميدانية الأخيرة.
وتأسيساً على ما تقدم، يبدو أن الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب تحولات كبرى؛ فالمفاوضات التي كانت تُطبخ على نار هادئة تأثرت بشدة بنيران الصواريخ الباليستية و حطام مروحية الأباتشي.
وفي ظل العقبات الراهنة أمام الحل السياسي، تظل كرامة الدول وحسابات الردع العسكري هي المحرك الأساسي للأحداث؛ ما يجعل استقرار المنطقة بأكملها رهناً بصدفة ميدانية أو قرار متهور قد يغير وجه المنطقة.
